الجمعة, يناير 23, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderخطاب "تنظيف الجنوب".. بين الحقيقة المرئية والوهم المعلَّب

خطاب “تنظيف الجنوب”.. بين الحقيقة المرئية والوهم المعلَّب

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

في السياسة اللبنانية، لا تأتي اللحظات المفصلية فجأة، هي تُحضَّر ببطء، تُغلَّف بعبارات منمّقة وتُقدَّم للناس على أنها “قدر لا مفرّ منه”.

هكذا تماماً دقّت ساعة الكشف، لا على إيقاع بيروت، بل على توقيت واشنطن، مع ظلال ضربة أميركية – إسرائيلية محتملة على إيران، ومعها رهان واضح بأنه إذا سقطت طهران، سقطت المقاومة.. وإذا ضعفت المقاومة، يصبح لبنان مشروعاً مفتوحاً على “إعادة الهيكلة” وفق الرؤية الاميركية – الاسرائيلية.

في هذا التوقيت بالذات، قرّر مستشارو رئيس الجمهورية ممارسة فنّ القفز في الهواء. أقنعوه بأن التاريخ لا يُصنع بالانتظار، بل بالقفز في اللحظة المناسبة. غير أنهم نسوا تفصيلاً صغيراً بأن القفز من دون أرض صلبة تحته، لا يصنع تاريخاً، بل يصنع سقوطاً أنيقاً يُقدم لاحقاً على أنه “خيار شجاع”.

فقر اللغة والسياسة

من الواضح أن الفريق المحيط بالرئيس يعاني فقراً لغوياً وسياسياً مزمناً، لا مفردات جديدة، لا خيال، ولا حتى جهد ابتكاري.

وحين يجفّ القاموس، لا يبقى سوى “الاستعارة”. هكذا أُعيد تدوير عبارات من عهود سابقة. من يدقق بخطابات الرئيس، يجد الكثير من عبارات تحمل بلاغة ميشال عون، و”رشّة” من خطاب الشهيد السيد حسن نصر الله بعد تفريغها من سياقها، وتبديل غايتها.

بهذه الطريقة، وقف رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي، مستخدماً عبارة فضفاضة مقتطعة من سياق خطاب الشهيد نصر الله. “الحقيقة هي ما ترون، لا ما تسمعون”. عبارة قيلت يوماً في ذروة العدوان الاسرائيلي على لبنان، فإذا بها اليوم تُستعمل لتغليف الصمت بورق الحقيقة.

ومن هذا المنطلق، خاطب عون السلك الدبلوماسي بلغة الواثق المنتصر سلفاً، مستعيراً عبارة قائد نحن بأمس الحاجة اليوم إلى سماع خطاباته ليهدينا على الطريق الصحيح، فجاءت العبارة أشبه بشعار إعلاني، لكنها في السياق اللبناني كانت رسالة مباشرة وهي: “لا تصدقوا حزب الله.. صدقوني أنا”.

المشكلة ليست في ما نراه، بل في ما لا نسمع، لا نسمع موقفاً واضحاً يُسمّي المعتدي بلا مواربة، لا نسمع خطة لحماية القرى الحدودية، لا نسمع عن إعادة إعمار، ولا عن أسرى.

إميل لحود.. حين كان الرئيس رئيساً

هنا تبرز المقارنة الفاقعة. كان الأجدر بمستشاري بعبدا بدل استعارة عبارات مبتورة من خطابات المقاومة، أن يفتحوا أرشيف الرئيس إميل لحود، ذاك الذي واجه الهجمة الدولية وحيداً، ولم يطعن المقاومة يوماً في ظهرها.

في صيف 2005، جاءت غونداليزا رايس إلى بعبدا محمّلة بأوامر أميركية وهي: هدنة، ضبط المقاومة، فك الارتباط مع “حزب الله”، والانخراط في “ديمقراطية الشرق الأوسط الجديد”… ردّ لحود لم يكن شعارات ولا تسويات لفظية، بل ثوابت. قال لها: “نحن في حالة حرب، المقاومة حق، والسيادة لا تُجزّأ”. وحين كشفت له رايس أن آخرين من المسؤولين والسياسيين اللبنانيين وافقوا على مطالبها، قال لها ببساطة: “أنا رئيس البلد”، ثم أنهى اللقاء وغادر من دون وداع.

هكذا يتصرّف رئيس دولة محتلة. أما اليوم، فوقف الرئيس جوزاف عون ليطمئن العواصم بأن نزع سلاح المقاومة ليس وعداً انتخابياً، بل مشروع قيد التنفيذ.

كان الأجدر في خطاب أمام سفراء العالم، تسمية الأمور بأسمائها: من يعتدي؟ من ينتهك السيادة؟ من يخرق اتفاقات وقف إطلاق النار؟ لم تُذكر “إسرائيل” في الخطاب إلا مرة واحدة، وبصيغة ملتبسة.

ولكي لا نكون مشاركين في صناعة الوهم وطمس الحقيقة وخيانة ذاكرة جماعية، لا بد من تفكيك عبارات خطاب الرئيس.

فحين يقال إن لبنان حقّق في ملف بسط سلطة الدولة وحصر السلاح ما لم يعرفه منذ أربعين عاماً، يصبح السؤال مشروعاً عن أي تاريخ هذا الذي يُستدعى، وأي ذاكرة يُراد محوها؟

السيادة.. بالمقلوب

قبل أربعين عاماً، وتحديداً في عام 1986، لم يكن لبنان يعيش حالة استقرار تُقاس بالإنجازات، بل كان غارقاً في حرب أهلية، فيما كانت أجزاء واسعة من أراضيه، ولا سيما الجنوب، رازحة تحت الاحتلال الإسرائيلي. فكيف يمكن القفز فوق هذه الوقائع، أو التعامل معها كأنها لم تكن؟

بعد أربعة عشر عاماً فقط، في عام 2000، تحررت معظم الأراضي الجنوبية من الاحتلال، لا عبر بيانات ولا عبر تسويات لفظية، بل بفعل مقاومة اللبنانيين، وإرادة أهل الجنوب، وتضحيات جسيمة، ومواجهات متواصلة في أعوام 1993 و1996، وصولاً إلى التحرير. هذه ليست رواية أيديولوجية، بل وقائع موثقة في التاريخ.

منذ عام 1986 وحتى اليوم، خاض لبنان مساراً مليئاً بالصدامات والانتصارات والتجارب المريرة، ولا يمكن اختزاله بشعار “الأربعين عاماً” وكأنه زمن جامد بلا أحداث. لماذا يُمحى إذاً منها التحرير، والانتصارات، والاحتلال، والحرب؟

إن بناء الدولة يبدأ أولاً بالاعتراف بتاريخها كما هو، لا بإعادة صياغته وفق الحاجة السياسية. فالدولة التي تريد بسط سلطتها، لا تفعل ذلك بإنكار تضحيات أبنائها، ولا بتجاهل محطات صنعت سيادتها، بل بقراءة صادقة للماضي، تمهيداً لنقاش حقيقي حول الحاضر والمستقبل.

ليس أمراً عادياً أن يُفتح الباب لمن يشاء ويُغلق في وجه من يشاء، ثم يُقال إن ما يجري اليوم هو إنجاز لم يعرفه لبنان منذ أربعين عاماً، فالتاريخ لم يبدأ في 9 كانون الثاني 2025، ولم يولد مع دخول أي رئيس إلى قصر بعبدا.

وإذا أردنا الحديث بموضوعية عمّا “لم يعرفه لبنان منذ أربعين عاماً”، فيمكن القول بوضوح إن لبنان لم يشهد طوال هذه العقود مستوى من انتهاك السيادة كما يشهده اليوم، أضف اليه التدخل الخارجي، وغياب احترام السيادة، والضغط السياسي والأمني. لم تكن كلها يوماً على هذا المستوى.

أما على صعيد الاعتداءات الإسرائيلية، فصحيح أن لبنان يعيش اليوم واقعاً غير مسبوق، وخلال عام واحد فقط سُجّل أكثر من عشرين ألف انتهاك للأجواء والأراضي اللبنانية، هذا رقم لم يشهده لبنان بهذه الكثافة من قبل، فهل يُفترض أن يكون هذا مدعاة للفخر؟

أن يفاخر رئيس الجمهورية بأن “رصاصة واحدة لم تُطلق من لبنان” خلال سنة من ولايته، فيما تُقصف الأراضي اللبنانية بالصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة، هو منطق مقلوب.

أما القول إن الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية باتت تسيطر وحدها عملياً على جنوب الليطاني، ليس توصيفاً سياسياً قابلاً للاجتهاد، بل مخالفة صريحة للواقع، وتحريف للوقائع على الأرض.

كيف يمكن إقناع المجتمع الدولي، وخصوصاً السفراء الأجانب، بأن الأراضي اللبنانية لم تعد محتلة، فيما الوقائع اليومية تقول العكس تماماً؟ كيف يُقال إن “السيطرة كاملة” بينما هناك مناطق ونقاط خمس محدّدة يُمنع على الجيش اللبناني الاقتراب منها؟

كيف تكون السيطرة “عملية”، فيما الجيش حاضر ميدانياً والاعتداءات الإسرائيلية تحصل أمامه من دون أي قدرة على الردع؟

الحديث عن “سيطرة كاملة” في ظل هذه الوقائع ليس مجرد توصيف خاطئ، بل خطاب بالغ الخطورة، لأنه، ولو من حيث لا يُراد، يقدم غطاء سياسياً للاحتلال الإسرائيلي، ويُسهم في شرعنة انتهاكاته. فحين يُقال للأجانب إن الأرض لم تعد محتلة يُسقط عن لبنان أحد أهم عناصر قوته القانونية والسياسية في أي مواجهة دبلوماسية.

كانت هناك فرصة حقيقية لاستثمار الخطاب الرسمي في حشد الدعم الدولي للموقف اللبناني بالقول الواضح والصريح إن الأرض لا تزال محتلة، وإن “إسرائيل” تعتدي يومياً وتقتل لبنانيين، وتنتهك السيادة بآلاف الخروقات.

كان يمكن عرض أرقام الاعتداءات وعدد الشهداء، وهم أبناء هذا البلد لا أرقام هامشية في تقارير.

لكن بناء خطاب على الأوهام، وتكرارها على مدى الخمس سنوات القادمة، قد ينجح في إقناع المصفّقين لكنه لن يقنع من يعيش الواقع ويراه بعينه.

تنظيف الجنوب أم تنظيف التاريخ؟

أما القول إن الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية تولّت “تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي” ليس مجرد خطأ في التعبير، بل إساءة فادحة لمعنى الدولة، ولعقول الناس، ولتضحيات دُفع ثمنها دم لبناني.

أن يُوصَف ما جرى في الجنوب بـ”التنظيف”، فهذا توصيف مستفز، وخطير، هذا السلاح ليس نجساً ليُقال عنه تنظيف، بل هو سلاح دُفع ثمنه دم، وهو أنقى وأشرف من مسيرة أي مسؤول. هذا السلاح أنصع من أن يُمسّ شرفه بخطاب سياسي.

هذا ليس “سلاحاً غير شرعي”. هذا سلاح يمتلك من الشرعية الدستورية والشعبية ما يفوق بكثير شرعية عهود جاءت على حساب الدستور وبضغط الخارج. هذا سلاح حمى الأرض، وردّ العدوان، وحرّر الجنوب.

الجنوب لم يكن يوماً بحاجة إلى “تنظيف”، لأن أرضه طاهرة، دُنّست بالاحتلال والاعتداءات الاسرائيلية، لا بالمقاومة.

استخدام هذا المصطلح لا يمكن فصله عن محاولة استفزاز الناس عمداً، لاستدرار ردود فعل، ثم تقديمها للخارج، وخصوصاً للولايات المتحدة، على أنها هجوم من جماعة أو من حزب، في محاولة لتظهير النفس كضحية، فيما الحقيقة أن ما يجري هو قمع للذاكرة وتحقير للتضحيات.

حين يصمت من يعرف

لغة “تنظيف المناطق” لا تعكس فقط سوء اختيار مفردات، بل رؤية كاملة، فالسلاح الذي حرّر أصبح عبئاً، والدم الذي دُفع صار تفصيلاً، أمّا السيادة الحقيقية فهي تلك التي تأتي عبر تفاهمات خارجية.

ومن الواضح أن حاملي شعار “خيار التفاوض” فشلوا في كبح التصعيد الإسرائيلي، لأن “إسرائيل” لا تفاوض من يقدّم التنازلات مسبقاً، هي تسعى لتثبيت مكاسب، لا لمكافأة حسن النيات.

التصعيد الأخير، ونسف دور لجنة الإشراف، والحديث عن “ميكانيزم” ثلاثي جديد… كلها دلائل على مسار واحد وهو جرّ لبنان إلى تفاوض مباشر، من موقع الضعف، بعد تجريده من أوراق قوته.

ولأن الحقيقة ليست فقط ما نراه، بل ما نجرؤ على قوله، فإن من ينتظرون فك شيفرات صمت المقاومة، سيكتشفون أنها بصمتها وغموضها لا تهرب من المواجهة، بل هي تفعل ما فعلته دائماً استعداد للحظة سيُقال فيها للعدو بلا لبس “لقد تجاوزتَ الحد”.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط 

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img