فالسؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا القانون لا يتعلّق فقط بمصير الودائع، بل بطبيعة النظام الاقتصادي الذي سيخرج من تحت أنقاض الانهيار: هل هو نظام يُعاد بناؤه على قاعدة المسؤولية والمساءلة وإعادة توزيع المخاطر بعدالة؟ أم نظام يُعاد تثبيته عبر تشريع الخسارة وتحويلها قاعدة دائمة؟
منذ بداية الأزمة، انتقل لبنان عملياً من اقتصاد قائم ـ ولو شكلياً ـ على الوساطة المالية، إلى اقتصاد يقوم على إدارة العجز والخسارة. قانون الفجوة المالية لا يعكس هذا التحوّل فحسب، بل يمنحه إطاراً تشريعياً واضحاً. فهو لا يقدّم رؤية لإعادة تكوين الدورة الاقتصادية، ولا يربط استعادة الودائع بإعادة إطلاق الاستثمار أو الإنتاج، بل يتعامل مع المال بوصفه مورداً نادراً يُوزَّع في ظل الانكماش لا محرّكاً للنمو.
إقتصادياً، هذا يعني تكريس نموذج اقتصاد راكد طويل الأمد: إقتصاد تُسدّد فيه الالتزامات من دون أن تُخلق ثروة جديدة، وتُدار فيه السيولة بحذر مفرط يمنع الانهيار، لكنه يمنع في الوقت نفسه أي تعافٍ حقيقي. في مثل هذا النموذج، يتحوّل القانون من أداة تحفيز إلى أداة ضبط، ومن وسيلة إصلاح إلى آلية احتواء.
تقوم الفلسفة الضمنية للقانون على اعتبار الخسارة أمراً واقعاً غير قابل للنقاش، وعلى أنّ وظيفة التشريع هي فقط تنظيم آثارها. هذا المنطق يحمل إشكالية فلسفية عميقة: حين تُحوَّل الخسارة إلى معطى قانوني، تُفصل النتائج عن الأسباب، ويُختزل العدل في “إدارة الضرر” بدل إزالته أو تصحيحه.
في الفكر القانوني، يُفترض بالقانون أن يكون أداة لتصحيح الاختلالات، لا لتكريسها. أمّا حين يشرّع الخسارة من دون مساءلة متلازمة، فهو يُعيد تعريف العدالة بوصفها توزيعاً للضرر لا محاسبةً على إنتاجه. وهذا التحوّل لا يبقى محصوراً في القطاع المصرفي، بل ينعكس على مجمل الثقافة القانونية والاقتصادية في الدولة.
يُقال إنّ الهدف الأساسي من قانون الفجوة المالية هو استعادة الثقة. غير أنّ الثقة، في الاقتصاد السياسي، لا تُستعاد عبر الوعود ولا عبر الجداول الزمنية وحدها، بل عبر إثبات أنّ النظام تعلّم من أزمته. المفارقة هي أنّ القانون، بصيغته الحالية، قد يحقّق استقراراً شكلياً قصير الأمد، لكنه يُقوّض الثقة على المدى المتوسط والطويل. لماذا؟ لأنّه يبعث برسالة مزدوجة إلى الفاعلين الاقتصاديين:
إلى المودع: أموالك محمية جزئياً، لكن من دون ضمان بأنّ النظام تغيّر جذرياً.
إلى المستثمر: الخسائر يمكن أن تُدار تشريعياً من دون محاسبة واضحة، ما يرفع منسوب المخاطر القانونية.
إلى المصارف: البقاء ممكن عبر التشريع، لا بالضرورة عبر تصحيح النموذج.
هذه الرسائل لا تشجّع على عودة الرساميل، ولا على استثمار طويل الأمد، بل على سلوكيات دفاعية، نقدية، قصيرة الأفق.
من أبرز الآثار غير المعلنة لقانون الفجوة المالية أنّه يساهم، بنحو غير مباشر، في تكريس اقتصاد “الكاش”. فحين تُدار الودائع عبر جداول طويلة الأمد، ومن دون إعادة تأهيل كاملة للقطاع المصرفي بوصفه وسيطاً موثوقاً، يبقى النظام المصرفي خارج الدورة الاقتصادية الفعلية.
إنّ النتيجة المتوقّعة هي استمرار الاقتصاد الموازي، وتراجع قدرة الدولة على الجباية، وتآكل أدوات السياسة النقدية، ما يجعل أي استقرار نقدي هشّاً وقابلاً للاهتزاز عند أول صدمة خارجية أو داخلية.
من منظور اقتصادي ـ قانوني، الاستقرار ليس قيمة مطلقة إذا أتى على حساب العدالة البنيوية. يميل قانون الفجوة المالية بوضوح إلى تفضيل الاستقرار الآني على إعادة بناء العدالة الاقتصادية. وهذا الخيار، وإن كان مفهوماً في حالات الطوارئ القصوى، يصبح إشكالياً حين يتحوّل إلى إطار دائم.
فالاقتصادات لا تتعافى فقط عبر تجنّب الانفجار، بل عبر إعادة توزيع المخاطر في شكل يعيد الاعتبار لمبدأ المسؤولية. من دون ذلك، يصبح الاستقرار مجرّد هدنة موقتة بين أزمات متتالية.
في النهاية، لا يطرح قانون الفجوة المالية سؤال الودائع فقط، بل سؤال الدولة نفسها: هل تريد دولة تُدير الانهيار بأقل كلفة سياسية ممكنة؟ أم دولة تستخدم الأزمة لإعادة تأسيس عقد اقتصادي جديد؟
إنّ الاقتصاد اللبناني لن ينهض بقانون يكتفي بتقنين الخسارة، بل بتشريع يُعيد ربط المال بالإنتاج، والربح بالمخاطرة الحقيقية، والدولة بدورها ضامناً للمصلحة العامة لا وسيطاً بين الخسائر. من دون هذا التحوّل، سيبقى قانون الفجوة المالية علامة على مرحلة انتقالية طويلة، لا بوابة خروج منها. وسيبقى الاقتصاد اللبناني عالقاً بين استقرار هشّ وعدالة مؤجّلة، فيما الثمن يُدفع من النمو، ومن المستقبل، لا من الماضي وحده.
ثمّة بُعد غالباً ما يُغفَل في النقاشات التقنية حول القوانين المالية، وهو أنّ التشريع لا ينظّم الحاضر فقط، بل يصنع ذاكرة اقتصادية جماعية تُورَّث إلى الأجيال اللاحقة. فقانون الفجوة المالية، بما يتضمّنه من مقاربة للخسائر وللعلاقة بين الدولة والمصارف والمواطنين، لا يحدّد فقط كيف تُسدَّد الودائع اليوم، بل يُحدّد أيضاً كيف سيتصرّف اللبنانيون غداً تجاه الادّخار، والمخاطرة، والثقة بالدولة.
حين تُقنَّن الخسارة من دون ربطها الصريح بالمسؤولية، تُرسَّخ في الوعي الاقتصادي قاعدة خطيرة مفادها أنّ الانهيارات الكبرى لا تُعالَج عبر المساءلة، بل عبر إعادة توزيع الضرر. هذه القاعدة، إذا ما استقرّت، ستؤثّر مباشرة في سلوك الأفراد والشركات: الادّخار يتحوّل إلى فعل محفوف بالريبة، والاستثمار طويل الأمد يصبح مغامرة غير محسوبة، والالتزام الضريبي يفقد مبرّره الأخلاقي حين يشعر المواطن أنّ الدولة لا تحمي الحقوق إلا بقدر ما تفرض الوقائع.
إقتصادياً، هذا يعني نشوء اقتصاد حذر إلى حدّ الشلل. ففي مثل هذا المناخ، لا تُتَّخذ القرارات على أساس الفرص، بل على أساس تجنّب الخسارة. الشركات تحجم عن التوسّع، الرساميل تبحث عن ملاذات خارجية، والكفايات تفضّل الهجرة على المشاركة في نظام لا يقدّم ضمانات قانونية كافية. وهكذا، يصبح القانون الذي وُضع لمعالجة أزمة مالية، عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة البنيوية للنمو.
الأخطر من ذلك، أنّ هذا النوع من التشريعات يُعيد تعريف مفهوم “المخاطرة” في الاقتصاد اللبناني. في الاقتصادات السليمة، ترتبط المخاطرة بالاستثمار والإنتاج والابتكار، ويُكافَأ من يتحمّلها بعائد أعلى. أمّا حين تُحمَّل الخسائر بشكل أفقي أو انتقائي، من دون تمييز واضح بين من خاطر ومن أدار المخاطر بشكل خاطئ أو مخالف للقانون، تختلط الحدود بين المبادرة والتهوّر، وبين الاستثمار المشروع والريع المقنّع. النتيجة هي اقتصاد يفقد بوصلته الأخلاقية قبل أن يفقد توازنه المالي.
من زاوية اجتماعية، يترك هذا المسار أثراً تراكمياً بالغ الخطورة. فالمجتمع الذي يشعر بأنّ الخسائر تُدار فوق رأسه، لا معه، يفقد الثقة ليس فقط بالمصارف، بل بمفهوم العقد الاجتماعي نفسه. ومع الوقت، تتحوّل هذه القطيعة إلى لا مبالاة عامة تجاه الشأن العام، وإلى قبول صامت باقتصاد غير عادل بوصفه “قدَراً”، لا نتيجة خيارات سياسية وتشريعية قابلة للتصويب. لهذا، لا يمكن التعامل مع قانون الفجوة المالية كقانون تقني محايد. إنّه نصّ يحمل في طيّاته رسالة تربوية ـ اقتصادية: إمّا أن تقول هذه الرسالة إنّ الدولة تعلّمت من الانهيار وستُعيد بناء الثقة على أساس قواعد واضحة ومسؤوليات محدّدة، وإمّا أن تقول إنّ الانهيار أصبح جزءاً من “الطبيعة اللبنانية” التي تُدار ولا تُعالج. والفارق بين الرسالتين هو الفارق بين اقتصاد يُمكن أن ينهض، واقتصاد محكوم بإعادة إنتاج أزماته بأشكال أقلّ عنفاً، لكن أكثر دواماً.