الأربعاء, يناير 21, 2026
Home Blog Page 22

أين المستهلك من المعاملة التفضيلية للصناعات الدوائية المحلية؟

| راجانا حمية |

وافق مجلس الوزراء في الثامن من الشهر الجاري على اقتراح قانون قدّمه رئيس لجنة الصحة النيابية بلال عبدالله، لتعديل المادة 16 من قانون الشراء العام المتعلقة بالأنظمة التفضيلية. وينص التعديل على رفع نسبة الأفضلية الممنوحة للعروض التي تتضمن سلعاً أو خدمات ذات منشأ وطني من 10% إلى 15% مقارنة بالعروض المقدّمة لسلع أو خدمات أجنبية.

ورغم الجدل الذي رافق هذا الاقتراح، جاءت الموافقة مشروطة بتوصية وزارة الصحة بأن تُطبَّق هذه النسبة عند الضرورة على المنتجات (خصوصاً الأدوية) المصنّعة بالكامل في لبنان، من دون المعلّبة. ويستند هذا القرار إلى مبدأ أساسي هو تشجيع الصناعة الوطنية وتحفيزها على تنويع سلّة الإنتاج، و«حماية خصوصية الدواء اللبناني» بحسب عضو لجنة الصحة النيابية عبد الرحمن البزري.

يفتح هذا القرار الباب أمام دعم الصناعة الوطنية، بما يشمل زيادة العمالة اللبنانية وتحقيق مردود اقتصادي أكبر، خصوصاً أن السوق الأساسي لمصانع الأدوية الوطنية هو الخارج، حيث يصرّف نحو 70 إلى 80% من إنتاجها.

وكان اقتراح عبدالله قد أثار جدلاً واسعاً حين طرح زيادة نسبة المفاضلة إلى 50%، أي خمسة أضعاف النسبة السابقة، ما أثار تساؤلات حول من سيتحمل تكلفة هذا الدعم، وقدرة خزينة الدولة على تمويله، وتأثيره على أسعار الدواء في السوق المحلي.

وتمثلت المآخذ الأساسية على النسبة المقترحة في أنها تنتهك مبدأ المنافسة المنصوص عنه في المادة 23 من قانون المنافسة، الذي يحظر منح مساعدات الدولة المخلة بالمنافسة، ويحدد الحالات الاستثنائية المسموح فيها، والتي لا تشمل الحالة الواردة في اقتراح القانون الحالي.

وينسحب هذا النقاش على التوازن بين الصناعيين أنفسهم، ما أثار حفيظة وزارة الصناعة، ناهيك بتكبيد المال العام خسائر كبيرة، إذ إن «أي زيادة ستنعكس حكماً زيادة في الإنفاق العام بغض النظر عن هوية الشاري»، بحسب رئيس هيئة الشراء العام، الدكتور جان العلية. موقف العلية لا يرفض منح الأفضلية للصناعة الوطنية، ولكنه يشترط أن يحقق ذلك القيمة الفضلى من إنفاق المال العام، كما نصت المادة 16 من قانون الشراء العام، وهو شرط غير متوافر حالياً، خصوصاً أن أسعار الأدوية المحلية من نوع الجينيريك يقارب معظمها أسعار الأدوية الأجنبية.

وبحسب مطالعة وزارة الاقتصاد والتجارة، فإن رفع نسبة المفاضلة إلى 50% سيؤثر سلباً على المستهلكين والخزينة، إذ سيتحمل الطرفان أعباء الفاتورة النهائية للدواء بسعر أعلى بنسبة قد تصل إلى 50% مقارنة بالأدوية الأجنبية. كما تشير المطالعة إلى أن الصفقات ستُرسى على العارضين المؤهلين للأفضلية رغم ارتفاع أسعارهم، ما يضاعف تكلفة الشراء. لذلك، إذا كان لا بد من تحديد نسبة أفضلية، يجب أن تُبنى على دراسة دقيقة تشمل انعكاسات التعديل على الموازنة العامة والمواطن اللبناني.

لذلك، دار نقاش حول بدائل لتشجيع الصناعة الوطنية خارج إطار قوانين المشتريات العمومية. من بين هذه البدائل، ما يمكن أن تقوم به الدولة من رفع الرسوم الجمركية على البضائع الأجنبية أو إقرار إعفاءات ضريبية، أو ما يمكن أن تقوم به الشركات نفسها عبر تطوير صناعتها واعتماد أساليب إنتاج حديثة تخفض الكلفة، وتمكّنها من المنافسة في السوقين المحلي والخارجي. كل هذا يتطلب التخلي عن الاتكالية والتنازل عن مبدأ التصنيع بهدف مراكمة الأرباح فقط.

تفجير منزل في مركبا (صورة)

فجرت قوة اسرائيلية معادية، صباح الثلاثاء، منزلًا في بلدةمركبا، لجهة بلدة رب ثلاثين، قضاء مرجعيون.

إنصاف حمَلة الإجازات الجامعية: لقانونٍ شامل.. لا يستثني أحداً

| فاتن الحاج |

بعد طول انتظار، صدر، أخيراً، مرسوم المجالس التحكيمية، غير أن علامات استفهام تطرح حول كفاءة الأعضاء الممثلين لأولياء الأمور ومدى ارتباطهم بمصالح مع إدارات المدارس.

أثار إقرار مجلس الوزراء لمشروع القانون الذي يساوي 356 مدرّساً في التعليم الأساسي الرسمي، من حمَلة الإجازات الجامعية، الذين عُيّنوا بين عامي 2010 و2013، بزملائهم من حملة الإجازات التعليمية، جدلاً واسعاً في الأوساط التربوية.

فمن الأساتذة من اعتبر أنه «يزيل التمييز المستمر منذ سنوات بين الفئتين، إذ إن ظلماً لحق بحمَلة الإجازات الجامعية، تجلّى بصورة خاصة بعد المباراة المحصورة لمجلس الخدمة المدنية، ومن ثم التعيين في عام 2010، إذ عُيّن هؤلاء في الدرجة 6 على غرار المعلمين في القطاع الخاص، في حين أن زملاءهم في المباراة نفسها من حملة الإجازات التعليمية عُيّنوا في الدرجة 15، أي بفارق 9 درجات، علماً أنهم يقومون بذات الواجبات الوظيفية التي يقوم بها زملاؤهم».

في المقابل، ثمّة من عبّر عن غضبه، خصوصاً الأساتذة المتعاقدين بالساعة، على خلفية أن مشروع القانون «لا يحمل بعداً إصلاحياً، إنما يكافئ تحديداً المعلمين المُلحقين بوزارة التربية كإداريين ولا يدرّسون في المدارس، في وقت يسدّ النقص في الصفوف معلمون متعاقدون بأجور متدنّية». وسأل المعترضون عمّا إذا كانت هناك خلفيات سياسية أو حزبية، ولا سيما أن مشروع القانون «يساوي بين شهادتين مختلفتين كلياً لجهة سنوات الدراسة فيهما. فالإجازة التعليمية تتضمّن سنة إضافية متخصّصة في طرق التدريس»، وفقاً لهؤلاء.

مطلب قديم

في الواقع، المساواة بين الشهادتين هي من المطالب القديمة للمعلمين. وهي ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها هذا المطلب. فقد سبق أن وصل مشروع قانون بشأنه مرتين إلى المجلس النيابي، قبل سحبه من التداول: في المرّة الأولى، اعترض الرئيس فؤاد السنيورة على إقراره في الهيئة العامة بحجة ضرورة إعداد دراسة تحدّد كلفته المالية.

وفي المرة الثانية، لم يُطرح للنقاش، رغم إدراجه على جدول أعمال الجلسة التشريعية، علماً أنه كان يشكّل فرصة لأكثر من 10 آلاف معلّم في التعليم الخاص، ومئات المعلمين في التعليم الأساسي الرسمي الذين ينتظرون صدور القانون منذ نحو عقدين من الزمن، وتحديداً منذ إقرار المناهج الحالية في عام 1997.

يومها، استُحدثت موادّ تعليمية مثل الاقتصاد والاجتماع والتربية المدنية والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى. وتولّى تدريسها مُجازون من كليات الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والعلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال ومن معاهد الفنون الجميلة، أي إن هؤلاء يحملون إجازات جامعية وليست إجازات تعليمية (علوم تجريبية ولغات).

وفي عام 2011، كلّف وزير التربية آنذاك، حسان دياب، لجنة لإعداد مشروع قانون يهدف إلى إنصاف حملة الإجازات الجامعية. واعتبر، في ذلك الوقت، أن المشروع يشكّل مطلباً مزمناً لأفراد الهيئة التعليمية المتخصّصين في المواد الجديدة، ولا سيما أن تعويضات الأساتذة الذين كانوا سيستفيدون ليست متساوية مع زملائهم، رغم الشهادات الجامعية التي يحملونها. وفي ذلك الحين، أجرت وزارة التربية دراسة للكلفة المالية، وتبيّن أنها لا تتجاوز ملياري ليرة سنوياً.

كذلك، رحّبت رابطة التعليم الأساسي الرسمي آنذاك بالمشروع، لعدم وجود تبرير تربوي للتمييز، بما أن المواد التي يدرسونها هي مواد تعليمية وإجازات الفئتين تتضمّن سنوات الدراسة نفسها (4 سنوات). فأعلنت تبنّي المطلب بالكامل، مشيرةً إلى أن العقبات سياسية وليست نقابية، إذ إن هناك ضغطاً من أصحاب المدارس الخاصة لعدم إقرار القانون في المجلس النيابي.

اعتراضان وتوصية

أمّا اليوم، فاستغربت وزارة التربية، في بيان، الاعتراض على مشروع القانون «الذي ما هو إلّا محاولة لإنصاف فئة من المعلمين من جهة، ومحاولة إصلاحية لرفع مستوى الشهادات وكفاءة المعلّمين الذين يتولّون التعليم في المدارس الخاصة والرسمية من جهة أخرى». وقال البيان، إن المشروع «أتى تصحيحاً لخللٍ قانوني ووظيفي طاول فئة من أفراد الهيئة التعليمية في التعليم الأساسي، ممّن يحملون شهادات جامعية، ومن دون أي مفعول رجعي. وقد أفضت تطبيقات تشريعية متباينة إلى تمييز غير مُبرّر في الدرجات والرواتب بين معلّمين يؤدّون المهام ذاتها، ويتمتّعون بالمؤهّلات الأكاديمية نفسها، ويتحمّلون الواجبات الوظيفية عينها».

وكانت الوزارة قد لفتت مجلس الوزراء إلى أن «النص المُقترح يجيز حلولاً للمخاوف المادية عبر إجازته تقسيط الأثر المالي الإجمالي، بما يسمح بإعطاء دور لمديرية الشؤون المالية في وزارة التربية، وبما يراعي قدرة الخزينة».

هكذا، وافق مجلس الوزراء على مشروع القانون في جلسته الأخيرة، رغم رأيين مختلفين لكلّ من هيئة التشريع والاستشارات ووزارة المال. فالهيئة أبدت ملاحظات عدّة على المشروع أبرزها أن العنوان، خلافاً لمواد القانون وأسبابه الموجبة، أشار إلى حصر تطبيقه بفئة المُعيّنين بين عامي 2010 و2013 من دون أن تبرّر وزارة التربية سبب إعطاء هذه الفئة دون غيرها هذه الحقوق. وعليه، جاء العنوان مادّة مستقلة، خلافاً لأصول التشريع. كما أشارت الهيئة إلى أن معالجة الغبن لا تكون بوضع قوانين استثنائية خاصة، بل بإزالة أسبابه.

من جهتها، أعلنت وزارة المال عدم تبنّيها لمشروع القانون، نظراً إلى أنه قانون استثنائي موجّه لحملة الإجازات الجامعية بين عامي 2010 و2013 دون غيرهم. وعليه، أوصت بالأخذ برأي سابق لمجلس الخدمة المدنية، دعا إلى حلّ المسألة عبر اقتراح نصوص متآلفة وشاملة من لجنة متخصّصة في وزارة التربية، ومن ثمّ تحديد الكلفة الفعلية بناءً عليها.

الجميع يتصرف أن الحرب واقعة لا محالة!

| ابراهيم الأمين |

بات اللعب الأميركي في إيران «عَ المكشوف». الاتصالات التي تُجريها الإدارة الأميركية مع مختلف الدول والقوى لا تحتمل التأويل، إذ تتضمّن كلاماً صريحاً عن «إنذار أخير»: إمّا أن تخضع إيران للشروط، وإمّا الذهاب نحو مشروع تغيير شامل للنظام. ورسُل مجنون العالم يكررون ما يقوله علناً: سيفعل أي شيء لتحقيق هدفه!

من حقّ العالم أن يقلق من هذا المسار، لكن من حقّ كثيرين أيضاً أن يقاوموا هذا الجنون، وأن يقفوا في مواجهته، وأن يذكّروا الخائفين بأننا أمام رجل مغامرات، وأن خطف رئيس من منزله لا يعني الإمساك بالكرة الأرضية، ولا القدرة على تقرير مصائر الشعوب.

القلق الذي يسود دول المنطقة يعود، في الدرجة الأولى، إلى خشية من أن المشروع الأميركي قد لا ينجح، وأن يلجأ ترامب، في حال تعثّره، إلى تصعيد إضافي انطلاقاً من قناعته بأن القوة هي السبيل الوحيد لتحقيق الانتصار. عندها، ستكون النتائج كارثية على شعوب المنطقة، فيما يحمل هو رجاله وأغراضه ويعود إلى بلاده. أليس هذا ما فعلته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان خلال أقل من عشرين عاماً؟

القلق نفسه حاضر أيضاً في إسرائيل، رغم أنها الطرف الأكثر تسويقاً للمشروع الأميركي والداعم الأساسي لخطواته التنفيذية. فتل أبيب تخشى حرباً طويلة قد تفضي إلى نتائج غير محسوبة. لذلك، لا تتعلّق التحذيرات الإسرائيلية بجوهر القرار، بل بكيفية تنفيذه. إذ تعتقد إسرائيل بأنها الأكثر خبرة ومعرفة بالملف الإيراني، وأنها يجب أن تكون شريكاً كاملاً في التخطيط والإشراف. ومعضلة المجنون الآخر في تل أبيب، أنه غير قادر على ضمان السيطرة الكاملة على مسار يقوده ترامب شخصياً.

تستند فكرة ترامب إلى تصوّره عن «الحرب النظيفة»، أي حرب لا تريد فيها الولايات المتحدة أن تخسر جندياً واحداً، ولا تتعرّض فيها أصولها العسكرية لضربات موجعة. ولذلك، يريد ترامب من جنرالاته تسخير كامل الثقل العسكري لتفادي هذين الاحتمالين. وحيث تفشل الاستخبارات، يرى أن الحل يكمن في اللجوء إلى القوة النارية بأقصى حدودها. وفي هذا التصوّر، لا يعترف ترامب بوجود قواعد اشتباك تضبط قراراته، والأخطر أنه يتعامل مع الأسلحة المستخدمة وكأنها لا تخضع لأي سقوف أو ضوابط.

الحلم الأميركي – الإسرائيلي هو اندلاع انتفاضة كبرى داخل إيران، يقودها أشخاص من داخل النظام نفسه. وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة إرسال إشارات واضحة إلى شخصيات وكيانات مؤثّرة، مفادها أنها مستعدّة للتعامل مع أي حُكم يُلبي شروطها، من دون اكتراث بالهوية الفكرية أو الاجتماعية للحاكم الجديد. المهم بالنسبة إلى واشنطن هو أن يقرّ بشروط تجعل إيران دولة تابعة، اقتصادها مرتهن للشريان الأميركي. وفي إطار هذا المسعى، يلجأ ترامب إلى إغواء البعض بأنه مُستعد لعقد صفقة مع أي حُكم جديد، ومنحه نفوذاً حتى خارج إيران.

بات اللعب الأميركي في إيران «عَ المكشوف». الاتصالات التي تُجريها الإدارة الأميركية مع مختلف الدول والقوى لا تحتمل التأويل، إذ تتضمّن كلاماً صريحاً عن «إنذار أخير»: إمّا أن تخضع إيران للشروط، وإمّا الذهاب نحو مشروع تغيير شامل للنظام. ورسُل مجنون العالم يكررون ما يقوله علناً: سيفعل أي شيء لتحقيق هدفه!

من حقّ العالم أن يقلق من هذا المسار، لكن من حقّ كثيرين أيضاً أن يقاوموا هذا الجنون، وأن يقفوا في مواجهته، وأن يذكّروا الخائفين بأننا أمام رجل مغامرات، وأن خطف رئيس من منزله لا يعني الإمساك بالكرة الأرضية، ولا القدرة على تقرير مصائر الشعوب.

القلق الذي يسود دول المنطقة يعود، في الدرجة الأولى، إلى خشية من أن المشروع الأميركي قد لا ينجح، وأن يلجأ ترامب، في حال تعثّره، إلى تصعيد إضافي انطلاقاً من قناعته بأن القوة هي السبيل الوحيد لتحقيق الانتصار. عندها، ستكون النتائج كارثية على شعوب المنطقة، فيما يحمل هو رجاله وأغراضه ويعود إلى بلاده. أليس هذا ما فعلته الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان خلال أقل من عشرين عاماً؟

القلق نفسه حاضر أيضاً في إسرائيل، رغم أنها الطرف الأكثر تسويقاً للمشروع الأميركي والداعم الأساسي لخطواته التنفيذية. فتل أبيب تخشى حرباً طويلة قد تفضي إلى نتائج غير محسوبة. لذلك، لا تتعلّق التحذيرات الإسرائيلية بجوهر القرار، بل بكيفية تنفيذه. إذ تعتقد إسرائيل بأنها الأكثر خبرة ومعرفة بالملف الإيراني، وأنها يجب أن تكون شريكاً كاملاً في التخطيط والإشراف. ومعضلة المجنون الآخر في تل أبيب، أنه غير قادر على ضمان السيطرة الكاملة على مسار يقوده ترامب شخصياً.

تستند فكرة ترامب إلى تصوّره عن «الحرب النظيفة»، أي حرب لا تريد فيها الولايات المتحدة أن تخسر جندياً واحداً، ولا تتعرّض فيها أصولها العسكرية لضربات موجعة. ولذلك، يريد ترامب من جنرالاته تسخير كامل الثقل العسكري لتفادي هذين الاحتمالين. وحيث تفشل الاستخبارات، يرى أن الحل يكمن في اللجوء إلى القوة النارية بأقصى حدودها. وفي هذا التصوّر، لا يعترف ترامب بوجود قواعد اشتباك تضبط قراراته، والأخطر أنه يتعامل مع الأسلحة المستخدمة وكأنها لا تخضع لأي سقوف أو ضوابط.

الحلم الأميركي – الإسرائيلي هو اندلاع انتفاضة كبرى داخل إيران، يقودها أشخاص من داخل النظام نفسه. وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة إرسال إشارات واضحة إلى شخصيات وكيانات مؤثّرة، مفادها أنها مستعدّة للتعامل مع أي حُكم يُلبي شروطها، من دون اكتراث بالهوية الفكرية أو الاجتماعية للحاكم الجديد. المهم بالنسبة إلى واشنطن هو أن يقرّ بشروط تجعل إيران دولة تابعة، اقتصادها مرتهن للشريان الأميركي. وفي إطار هذا المسعى، يلجأ ترامب إلى إغواء البعض بأنه مُستعد لعقد صفقة مع أي حُكم جديد، ومنحه نفوذاً حتى خارج إيران.

روابط القطاع العام ترفض اقتراح مجلس الخدمة المدنية

ترفض روابط الموظفين في القطاع العام اقتراح مجلس الخدمة المدنية لأنه ينطوي على مدة زمنية طويلة نسبياً لإجراء التصحيح المطلوب على الرواتب والأجور، وأنه في نهاية هذه المدة لا يعيد كامل القوّة الشرائية المفقودة، إذ تبقى قيمة الراتب بعد التعديلات أقل من قيمته قبل عام 2019. من جهته يرى حسن وهبي عضو تجمع الموظفين، أن المشروع يقلص من قيمة الراتب «وهو غير مقبول».

وحتى لو طبق المشروع، فإنه ينطوي على استخفاف بعقول الناس، وفقاً لوهبي، لأنّه يتغيّر في كلّ مرّة يوضع على طاولة البحث، إذ قلّصت الزيادات المفترض إعطاؤها للموظفين من 22 ضعفاً عام 2026 إلى 6 أضعاف فقط. وهذه الأضعاف الستة أيضاً ستعطى بشكل مقسّط 4 أضعاف الآن، وضعفان بعد النصف الثاني من عام 2026. في سياق مرتبط يسأل وهبي عن طريقة الحكومة في مقاربة الزيادات للموظفين، إذ تقبض الرسوم والضرائب وفقاً لسعر 90 ألف ليرة لكلّ دولار، بينما تعطي موظفيها رواتبَ بناءً على سعر 20 ألف ليرة لكلّ دولار.

وزارة تكنولوجيا المعلومات.. أو المراهنات؟

| رضا صوايا |

بدلاً من التركيز على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والحكومة الإلكترونية لمحاربة الفساد، فضّل وزير تكنولوجيا المعلومات إطلاق منصة للمراهنات الرياضية.

في بلد، 73% من مواطنيه فقراء، وفقاً لتقرير «البنك الدولي» الصادر في عام 2024 عن الفقر المتعدّد الأبعاد، وفي ظلّ انهيار اقتصادي وبطالة مستشرية وهجرة كفاءات، زفّ وزير تكنولوجيا المعلومات كمال شحادة قبل أيام للبنانيين خبر «التحضير لإطلاق منصة مراهنات إلكترونية عالمية المستوى عبر طلب عروض قريباً». وقال شحادة، عبر «أكس»، إنها سترتكز «على الشفافية، اللعب المسؤول، التحقّق الصارم من الهوية والعمر وأعلى معايير الأمن السيبراني والحوكمة، بما يضمن حماية المستهلك وتعزيز الرقابة والتنظيم».

ورداً على سؤال لأحد المواطنين، شرح شحادة أن «المنصة المُقترحة مخصّصة للمراهنات الرياضية، وليس لألعاب الكازينو، وبالتالي لا تتنافس مع كازينو لبنان».

هذا ما تراه الدولة اللبنانية في التكنولوجيا إذاً. فبدل التركيز على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والحكومة الإلكترونية لمحاربة الفساد، أو دعم الشركات التقنية الناشئة، وتحويل لبنان إلى مركز تقني إقليمي، اختارت هذه الدولة إنشاء منصة للمراهنات الرياضية، الثابت عالمياً أن ضحيتها الأولى هم الشباب.

يعلّق الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي على الخبر باتهام الدولة بأنها «مجرمة بحقّ شعبها»، مشكّكاً في نفس الوقت بقدرة المنصة على تحقيق الأرباح، ويذهب إلى أنها «قد تتحوّل إلى مكمن للهدر». ويتساءل عن حل الدولة لتغطية كلفة أرباح المراهنة، «التي لا يصعب كثيراً توقّعها في المجال الرياضي، خاصةً في حالة بعض المنتخبات والنوادي القوية. فكيف ستدفع الدولة؟».

تُظهِر الخطوة بوضوح أولويات الدولة والنهج القائم. وعن ذلك، يقول الخبير الاقتصادي، وليد أبو سليمان: «نحن أمام غياب أي رؤية اقتصادية، والحكومة تسعى لإرضاء المجتمع الدولي عبر تأمين إيرادات بأي طريقة، لتصفير العجز وتحقيق فائض. لكن هذا فائض على حساب المجتمع».

ويعتبر أنه «في حال كان المنطلق هو البحث عن إيرادات إضافية، فيمكن تحسين إيرادات الدولة بطرق أخرى، كسياسة ضرائبية تحمي المجتمع، تفعيل الجباية من الأملاك البحرية وغيرها»، مشيراً إلى أنه «حتى اللحظة لم نلحظ أي خطوات جدّية لمكافحة الفساد ولا لتنشيط الاقتصاد ودعم القطاعات الإنتاجية، والنمط نفسه لا يزال مُعتمداً بنيوياً». وينبّه إلى أنه «يمكن التسلّل إلى جيوب المواطنين بإجراءات مماثلة، لكن في الوقت عينه تأسر الاقتصاد والمجتمع بأكمله. فهكذا مشروع يمكن إطلاقه في بلد سليم واقتصاده صلب».

في السياق ذاته، يرى خبير اقتصادي وأستاذ جامعي «أننا أمام أزمة رؤية وقيم. الثابت منذ تشكيل الحكومة هو غياب التخطيط والاستراتيجيات. كل وزير يأتي بطرح يعجبه وهكذا تسير الأمور». هو وضع يُشبِّهُه يشوعي بأنه «أشبه بشخص متّسخ، مُغطّى بالوحل، ارتدى ثياباً جديدة من دون أن يغتسل».

يوضح الأستاذ الجامعي أن من أضرار هكذا خطوة «الـ reputational risk أو مخاطر السمعة، والتي تنتج منها أضرار سلبية جراء الدعاية السيئة، والسلوك غير الأخلاقي، ما يؤدّي إلى فقدان العملاء والمستثمرين». ويسأل: «ما هي الصورة التي نسعى لتقديمها للعالم؟ صورة كازينو كبير تديره دولة مفلسة مالياً وأخلاقياً؟». كما يتساءل عن قدرة مثل هكذا منصة على منافسة منصات عالمية ضخمة موجودة وتهيمن على سوق المراهنات الرياضية. ويلفت إلى أنه إذا كانت النية هي ضبط سوق المراهنات، فـ«الأجدى تفعيل الكازينو وضبط سوق المقامرة غير الشرعية».

تشير الدراسات العالمية إلى أن كلفة القمار الاجتماعية والصحية تفوق بأضعاف إيراداته. وبحسب «منظّمة الصحة العالمية»، «يمكن أن يهدّد لعب القمار الصحة، إذ يؤدّي إلى زيادة حالات الإصابة باعتلال نفسي والانتحار. وقد يسبّب الفقر بتحويل إنفاق الأسر عن السلع والخدمات الأساسية».

تشمل الأضرار الناجمة عن لعب القمار أيضاً «انهيار العلاقات والعنف الأسري والضائقة المالية والوصم وارتكاب جرائم مُدِرّة للدخل (السرقة والغش) وإهمال الأطفال وتدهور المؤسسات المدنية».
إلى ذلك، تعتبر مديرة كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الدكتورة تريز سيف، أن «الدول بعد أن تكون قد وصلت إلى معدّل رفاهية مُعيّن والقدرة على تأمين الخدمات الأساسية لمواطنيها تنتقل إلى مرحلة تشريع الترفيه.

لكن أن تُقدِم دولة مفلسة على هكذا خطوة فهو دليل على نية واضحة بتخريب المجتمع لإلهاء الناس عن حقوقهم ولتغطية فشل المسؤولين». تصف سيف الخطة «بخطة الانتحار الجماعي نظراً إلى تداعياتها السلبية على مختلف المستويات الصحية والنفسية والاجتماعية». وتحذّر من «مخاطر تعزيز فكرة الربح السريع في المجتمع ولدى الشباب تحديداً، خاصة في ظل تعدّد المنصات الاجتماعية والأدوات التي تشجّع الربح السريع. فأيّ مجتمع ننتج للمستقبل؟ لا يجب تشريع الشر بحجة ضبط التفلّت».

الحكومة “تراوغ” القطاع العام

| فؤاد بزي |

قرّر مجلس الوزراء تأجيل البحث في مشروع تعديل رواتب موظفي القطاع العام شهراً ونصف الشهر ربطاً بإعداد مشروع إعادة هيكلة للقطاع العام يُبنى عليه لدراسة أكلاف الزيادة. فقد تعامل المجلس مع مشروع الزيادات الذي عرضته رئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي في جلسة الخميس الماضي، بسلبية كبيرة تعكس آراء الوزراء تجاه القطاع العام والرغبة في «سفك» بنيانه، وقدرتهم على تجاهل المعاناة المتواصلة لنحو 332 ألف عامل في القطاع العام منذ ست سنوات إلى اليوم.

بدا من هذا القرار، كأن الحكومة تلتف على مطالب القطاع العام بتقديم مزيدٍ من الوعود. إذ اكتفى قرار الحكومة بعد عرض مشموشي بالإشارة إلى أنّه «أخذ العلم بالعرض، وتقرّر استكمال الدراسات». وبدا أيضاً أن الحكومة لا تدرك أن هؤلاء قادرون على شلّ عمل الدولة إذا تبيّنوا نيّة الحكومة بعدم رغبتها الآن في تعديل رواتب موظفي القطاع العام وسعيها إلى ربط الزيادة بمسائل مالية مثل «الالتزام الضريبي ومكافحة التهرّب الجمركي وغيرهما من الأمور الإصلاحية» بحسب ما ورد في القرار الحكومي، وأن هذه الحكومة لا تجد حرجاً في تعيين أعضاء الهيئات الناظمة التي لا يقل راتب العضو فيها عن 6 آلاف دولار شهرياً من دون أن يحقق تعيينهم أيّ تقدّم على مستوى الخدمات العامة.

وعلى ضفّة الموظفين، فإن الوسيلة الوحيدة المتاحة لهؤلاء هي التحرّك التصعيدي الذي يتّخذ من الإضرابات أداة لتحصيل الحقوق. يبدأ هذا التحرّك اليوم بإضراب يقفل المدارس والثانويات ليومين، ويفترض أنه سيشمل الدوائر الرسمية في الوزارات والمؤسّسات العامة، رغم أن إقفالها مرتبط إلى حدّ كبير بالقرارات السياسية للأحزاب لا بمصالح الموظفين.

وثمة مشكلة ثانية تكمن في أنه، خلافاً للسابق، لم يظهر أي طرح مقابل معدّ من أوساط الموظفين، بل تعامل هؤلاء مع المشكلة وفقاً لمنطق ردّ الفعل لا المبادر ووافقوا على التفاوض تحت سقف الحصول على 50% من قيمة راتبهم في 2019 وتقسيط الـ50% الباقية على سنتين، وهذا التردّد على مستوى الموظفين أبقى مشروع مجلس الخدمة وحيداً على الطاولة، ومكّن السلطة السياسية من المماطلة أكثر، وتأجيل البحث باستمرار.

إذاً، ما هو مشروع مجلس الخدمة المدنية وكيف تعامل معه مجلس الوزراء؟

لا بدّ من الإشارة أولاً إلى أن اقتراح مجلس الخدمة المدنية لم يوزّع على الوزراء لدراسته قبل الجلسة، بل اكتفى رئيس الحكومة باستدعاء مشموشي إلى الجلسة لتقديم عرض موجز عن مشروعها الذي أُنجز بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.

وبحسب أرقام العرض الذي اطلعت على تفاصيله «الأخبار»، فقد ربطت مشموشي مشروعها بشرط مفاده أن لا تتخطى نسبة الرواتب 43% من إجمالي نفقات الموازنة العامة. لذا، فإنه في مقابل السير بالزيادة التدرجية، يجب أن تزداد الإيرادات سنوياً من 6 مليارات دولار في السنة الأولى، أي في عام 2026، إلى 11.74 مليار دولار في السنة الأخيرة من المشروع، أي في عام 2031 عندما تصبح الرواتب مضاعفة 48 ضعفاً. ووفقاً لأرقام مشموشي، ستبلغ كتلة الرواتب 2.12 مليار دولار في عام 2026، على أن تزداد بنحو 390 مليون دولار سنوياً، لتبلغ 5.16 مليارات دولار عام 2031.

أما لجهة استعادة الرواتب لقيمتها قبل الانهيار النقدي والمصرفي، فلم يعد مشروع مشموشي بالكثير، بل وجد أنّه مع نهاية السنة الخامسة على مضاعفة أساس الراتب أي عام 2031، ومضاعفته 48 مرّة، تصبح قيمته مساوية لنسبة 77% من قيمته بالدولار الأميركي عام 2019. بمعنى آخر، هذه ليست زيادة على الرواتب، بل محاولات تجميلية فاشلة وهروب من أمر حتمي وهو تعديل سلسلة الرتب والرواتب من أساسها. فعلى سبيل المثال، ورد في عرض مشموشي أن راتب الأستاذ في التعليم الثانوي الرسمي كان يبلغ 2067 دولاراً قبل الأزمة، وأنه سيبلغ بعد السير بالمشروع الجديد 1593 دولاراً، أي أقل بمبلغ قيمته 474 دولاراً مما كان عليه قبل الانهيار النقدي والمصرفي.

أما الموظفون الإداريون من الفئة الرابعة، والذين يشكّلون اليوم النسبة الأكبر من موظفي الإدارة، سيصبح راتبهم بعد الزيادة 887 دولاراً، علماً أنّه كان 1150 دولاراً. وإلى جانب هذه التعديلات، تقترح مشموشي إلغاء البدلات الإضافية التي يحصل عليها الموظفون شهرياً إضافةً إلى رواتبهم، مثل بدل صفائح البنزين وبدلات المثابرة.

وفي ما يخصّ نظام الموظفين والتقاعد، يقترح مشروع مشموشي رفع سن الإحالة إلى التقاعد من 64 سنة إلى 66 سنة، وإضافة سنتين إلى سن التسريح القانوني للعسكريين الضباط وأربع سنوات للعسكريين من الرتباء والأفراد. كما يقترح المشروع تقليص عدد من التقديمات الاجتماعية للتحفيز على البقاء في الخدمة، بمعنى آخر، سيُمنع الموظف من التفكير حتى بالحصول على إجازات خاصة من دون راتب أو الوضع في الاستيداع. ولكن المشروع «ليس بهذا السوء»، إذ يقترح إقرار إجازة أبوة للموظفين الذكور الذين يرزقون بأطفال!

لماذا قرّر الأمين العام لـ”حزب الله” رفع نبرته؟

| عماد مرمل |

رفع الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم السقف في خطابه الأخير، مستخدِماً نبرة حادّة في مخاطبة بعض الداخل. فما هي حقيقة رسائله؟ ولماذا تعمّد توجيهها بلهجة شديدة؟

من الواضح، أنّ الشيخ قاسم وجد أنّ هناك حاجة للردّ دُفعةً واحدة على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون «الحزب» إلى التعقُّل، وعلى تبرير وزير الخارجية يوسف رجي للإعتداءات الإسرائيلية، وعلى مُجمَل الأصوات الداخلية التي تنادي بحصر السلاح في منطقة شمالي الليطاني بعد إنجاز المرحلة الأولى.

بهذا المعنى، يعتبر القريبون من «الحزب» أنّ هجوم قاسم يأتي في معرض الدفاع بالدرجة الأولى، ويندرج في إطار ردّ الفعل وليس الفعل ابتداءً، خصوصاً بعدما تراكمت لدى البعض المغالطات السياسية التي تحتاج إلى تصحيح لئلّا تُكرَّس كحقائق ثابتة يُبنى عليها في تحديد الخيارات والمواقف.

ويُشير هؤلاء إلى أنّ خطاب قاسم أعاد في حيّز منه تثبيت الوقائع الموضوعية التي يجري أحياناً طمسها وتجاوزها في ما يتصل بحقيقة مضامين اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي تنحصر مفاعيله ضمن جنوبي الليطاني، حيث نفّذ «الحزب» كل ما يتوجّب عليه في مقابل تحلّل الكيان الإسرائيلي من جميع التزاماته.

أمّا بالنسبة إلى نطاق شمال النهر، فقد جدّد قاسم اقتناعه بأنّ السلاح فيه يخضع حصراً إلى أحكام التوافق الوطني، في اعتباره شأناً لبنانياً يُعالَج ضمن تفاهم حول «استراتيجية الأمن الوطني» أو الاستراتيجية الدفاعية، مع إبداء الإستعداد لمقاربتها بإيجابية.

واستناداً إلى هذه القواعد، أراد قاسم، وفق القريبين من «الحزب»، توجيه الرسائل الآتية:

– إنّ «الحزب» لا يمكنه الصمت إزاء تصاعد الإعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، ولذا كان لا بُدّ من رفع الصوت تحذيراً وتنبيهاً.

– إنّ كل هوامش المناورة الرسمية في مواجهة الضغوط الأميركية والخارجية استُنرِفَت واستُهلِكَت عبر مجموعة قرارات وإجراءات غير مناسبة، وبالتالي ينبغي التوقف عن تقديم التنازلات المجانية، بعدما ثَبُتَ أنّ كل خطوات الدولة في اتجاه واشنطن وتل أبيب كانت بلا أي مردود أو مقابل.

– إنّ الدولة التي تفاوض وتقود المسار الديبلوماسي يجب أن تترسمل بخطاب قاسم لتعزيز أوراقها التفاوضية، ولإفهام الخارج الذي يضغط عليها لينتزع منها تنازلات إضافية، أنّها معنية بمراعاة حساسيات الواقع اللبناني وخصوصيّته لئلّا ينفجر تحت الضغط الزائد.

– إنّ الحزب الذي انتظر عبثاً لأيام عدة صدور موقف رسمي يُصوِّب تصريحات وزير الخارجية ويلجمها، اضطر في نهاية المطاف إلى أنّ يتصدّى له مباشرةً عبر الأمين العام بعد سكوت المسؤولين، خصوصاً أنّه أعطى من موقعه الوزاري مشروعية وذرائع للإعتداءات الإسرائيلية، الأمر الذي لم يكن في الإمكان التغاضي عنه.

– إنّ التحذير من أنّه لن يبقى حجر على حجر إذا تمّ الذهاب بعيداً في استهداف «المقاومة» يرمي إلى نسف أوهام مَن يظنّ أنّ هناك فرصة للتخلّص من «المقاومة» وسلاحها، واستثمار ذلك في تعديل التوازنات الداخلية وتحقيق مكاسب سياسية، في حين أنّ التوازنات اللبنانية هي أشدّ تعقيداً، وفي حال غرقت السفينة، فستغرق بركابها مجتمعين وليس بمكوّن واحد. ومن هنا، يكتسب تنبيه قاسم بُعداً ردعياً لمنع أي مغامرة غير محسوبة قد يندفع إليها المتهوّرون، وفق تأكيد المحيطين بـ«الحزب».

الـ”ميكانيزم” للتعاون الاقتصادي… فقط!

لم تشفع للبنان الخطوة غير المسبوقة منذ 43 عاماً، التي قام بها، والتي تمثلت برفعه مستوى تمثيله في لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار إلى دبلوماسي – مدني، بناءً على الطلب الأميركي – الإسرائيلي. فعيّن السفير السابق سيمون كرم، مع علمه أنه يتماشى بذلك مع المخطط الرامي إلى تأسيس قناة تواصل مباشر ما فوق عسكرية مع عدو يحتل أرضه ويستمر يومياً في الاعتداء عليه.

هكذا هي إسرائيل، كلما أخذت، طلبت المزيد. ولذا، عُلّق عمل لجنة الـ«ميكانيزم»، التي تقول مصادر مطّلعة، إنه لا موعد محدداً لانعقادها على المستوى المدني، ولا حتى على المستوى العسكري.

وكشفت هذه المصادر لـ«الأخبار» أن «واشنطن وتل أبيب نجحتا إلى حد ما في تطيير الجانب الفرنسي منها»، إذ إن ما تريده إسرائيل هو مفاوضات مع لبنان برعاية أميركية حصراً، ومن دون الأمم المتحدة. إبعاد فرنسا كان قد جرى النقاش فيه في أثناء زيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت الأسبوع الماضي، وسط تسريبات عن تعمّد تعليق اجتماعات اللجنة حتى لا يطلب لودريان حضورها، بحسب المصادر نفسها.

ولا يرتبط هذا التعليق بالدور الفرنسي وحده ومحاولات التخلص منه، بل هناك ما هو أبعد من ذلك. فبعض الرسائل التي وصلت إلى أركان الحكم في لبنان تربط عودة لجنة الـ«ميكانيزم» إلى الاجتماع بتنازل لبناني جديد، فـ«إسرائيل ترفض النقاش في أي ملف متصل باتفاق وقف إطلاق النار على طاولة اللجنة، لا في ما خص الانسحاب من النقاط التي احتلتها بعد الحرب، ولا الأسرى ولا وقف الاعتداءات، وهي تريد حصر النقاش بالتعاون الاقتصادي ضمن رؤية أشمل للسلام في المنطقة».

بمعنى أدق، تحاول إسرائيل فرض ما سبق وعبّر عنه رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين الصهاينة، حول الفصل بين مسار اللجنة والمفاوضات مع الدولة اللبنانية والحرب على حزب الله. وصار واضحاً أن إسرائيل تعتبر أن عمل اللجنة لا علاقة له بالجوانب العسكرية والأمنية.

وقد بدأت توسيع رقعة الاستهدافات في مناطق شمال نهر الليطاني، لتحقيق أمر واحد: نزع السلاح في هذه المنطقة (بين نهري الليطاني والأولي)، على غرار ما حصل في منطقة جنوب الليطاني، وعن طريق قيام الجيش اللبناني بمصادرة سلاح حزب الله ودخول منشآته وتفجيرها، حتى لو تسبب ذلك بصدام داخلي. ودون ذلك، يكون التدخل الإسرائيلي المباشر بالنار عبر غارات عنيفة مشابهة لتلك التي نفذت أمس في مناطق متفرقة.

في المقابل، علمت «الأخبار» أن رئيس الجمهورية جوزيف عون وقائد الجيش رودولف هيكل، التزما القيام بخطوة ما في منطقة شمال الليطاني، قبل سفر هيكل إلى واشنطن الشهر المقبل.

ويغطي العدو الإسرائيلي اعتداءاته بادعاءات منع الجيش اللبناني من القيام بمهمته في الجنوب. وأمس، نشرت صحيفة «معاريف» العبرية تقريراً زعمت فيه أن «حزب الله أوقف التعاون العملياتي الذي كان قائماً مع الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني»، عقب الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. وجاء في التقرير أن «حزب الله غيّر أنماط عمله الميداني بعد الغارات، بما في ذلك فرض حصار على بعض المناطق، ومنع الجيش من الوصول إليها لمدد طويلة».

وعلى مستوى الضغوط الأميركية، لفت التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تكثف ضغوطها على بيروت، مشيراً إلى احتمالية أن تمنح واشنطن إسرائيل حرية أكبر للتحرك في شمال الليطاني، إذا لم تُظهر الحكومة اللبنانية خطوات واضحة في هذه المنطقة. كما أوردت «معاريف» أن المساعدات الدولية للجيش اللبناني «مشروطة بخطوات عملية وجدول زمني محدد».

اجتماع “الميكانيزم” إلى الشهر المقبل

ذكرت مصادر “اللواء” أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أبدى أمام زواره الاثنين، استياءه الشديد مما وصلت إليه الأمور، ولا سيما لجهة شل عمل لجنة الميكانيزم وعدم قدرة أو امتناع الدول الصديقة عن ممارسة الضغوط على كيان الاحتلال لوقف اعتداءاته على لبنان وإلزامه بتطبيق اتفاق وقف الاعمال العدائية.

وأكدت مصادر سياسية مطلعة لـ”اللواء” أن الحديث عن إنهاء دور لجنة الميكانيزيم ليس دقيقا، وأن عدم انعقاد اجتماع قريب لها لا يعني انها لم تعد قائمة، قائلة إن هذا الإجتماع نُقل الى الشهر المقبل.

وراوح الوضع على ما هو عليه بالنسبة لوضع الجنوب وجمود عمل لجنة الميكانيزم، فيما ازداد البحث في مصير الانتخابات النيابية بالمشاورات بين الكتل النيابية ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، وسط توجُّه بات اقرب الى تأجيلها تأجيلاً تقنياً لمدة من شهر الى شهرين وربما ثلاثة، “اذا كان التأجيل يريح كل الاطراف”، حسبما قالت مصادر نيابية لـ”اللواء”.

ورأت هذه المصادر أن الحاجة الى هذه اللجنة ما زالت ضرورية في الوقت الراهن وهناك ملفات قد تبحث في المرحلة المقبلة، عندما تتحول الإجتماعات الى سياسية بعد تعيين ممثل الولايات المتحدة الأميركية فيها.