| جورج علم |
وجّه المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، “تحية عطرة” لـ”رئيس الحكومة في الجمهوريّة اللبنانية الدكتور نوّاف سلام”، وترحيب حار بـ”قرار مجلس الوزراء القاضي بضمان حصر السلاح بيد الدولة في جميع أنحاء لبنان، إستناداً إلى إتفاق الطائف، والقرارات الدوليّة ذات الصلة”.
لم يكن البيان الختامي الصادر عن الدورة الخامسة والستين بعد المئة للمجلس الوزاري الخليجي، والتي إستضافتها دولة الكويت الإثنين الماضي، مجرّد “زوبعة في فنجان المنطقة”، بل تحوّل إلى “إعصار عرّى الحقوق والحقائق العربية من غبار العربدة الإسرائيليّة ـ الإيرانيّة، من غزّة، إلى لبنان، وسوريا، وصولاً إلى اليمن”.
ولأنه وضع النقاط على الحروف، سارعت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة إلى إصدار بيان ردّاً على ما وصفته “بالمزاعم الخاطئة” الواردة في البيان الخليجي، وأكدت سيادتها على الجزر الثلاث: “طنب الكبرى”، و”طنب الصغرى”، و”أبو موسى”، و”حقوقها في حقل آرش”، معتبرة “الإدعاءات الآحاديّة بشأن هذا الحقل، غير ذات مصداقيّة”. كما أكّدت “حقّها المشروع والقانوني في إستخدام الطاقة النوويّة، وفقاً لمعاهدة عدم الإنتشار النووي”. وإعتبرت “أن أي محاولة للتشكيك في الطابع السلمي لبرنامجها النووي، لا أساس لها”.
وما بين البيان الخليجي والبيان الإيراني، هوّة عظيمة، لم تردمها “النيّات الصادقة”، و”النوايا الحسنة” التي وردت في البيان المشترك السعودي ـ الإيراني ـ الصيني، والصادر عن بكين في 10 آذار 2023 بعد المحادثات المكثفة التي إستضافتها الصين ما بين 6 و10 آذار من ذلك العام، خصوصاً البند الذي ينصّ على “إحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخليّة”. وقد أثبتت الأحداث، والوقائع إستمرار هذا التدخل بصورة سافرة، أقله ما يتعلّق بلبنان، وبقرار الحكومة المتعلّق بحصريّة السلاح.
وكان الأدميرال علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، رئيساً للوفد المفاوض في بكين، عندما وقّع على البيان الختامي الذي ينصّ على “إحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخليّة”.
وكان علي لا ريجاني هو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، عندما جاء إلى بيروت في 13 آب الماضي، ليتدخل في الشأن اللبناني، ويدعو “حزب الله” إلى عدم تسليم سلاحه، والتمرّد على قرار مجلس الوزراء الداعي إلى حصريّة السلاح بالمؤسسات الشرعيّة.
وما بين شمخاني ولاريجاني، مسافة من الوقت، ومسافة من التدخل، ومسافة من “المزاعم الخاطئة”.
وبعيداً عن العلاقة ما بين إيران ودول مجلس التعاون، فإن الدعم الخليجي لحصر السلاح يأتي قبيل إنعقاد مجلس الوزراء لمناقشة الخطة التي أعدتها قيادة الجيش لتنفيذ القرار. كما يتزامن مع الحملة الدبلوماسيّة التي تقودها طهران للدخول في مفاوضات بناءة مع الولايات المتحدة، والثلاثي الأوروبي ـ البريطاني، الفرنسي، الإلماني – حول برنامجها النووي، وتخصيب اليورانيوم، والسعي إلى تفادي مسلسل العقوبات “سناب باك” الذي من شأنه أن ينهك إقتصادها، المنهك أصلاً.
ولم يكتف وزراء دول مجلس التعاون الخليجي بدعم قرار الحكومة بحصر السلاح، بل شدّدوا على ضرورة تطبيق قرارات مجلس الأمن بشأن لبنان، وخاصة القرار 1701.
لكن ما أزعج طهران:
• إشادة الوزراء الخليجيّين “بجهود الوساطة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركيّة في لبنان”.
• ورفضهم “للتصريحات والتدخلات الخارجيّة في الشؤون الداخليّة للبنان الشقيق”.
وما أطفح الكيل الإيراني “تأكيد بيان المجلس الوزاري الخليجي على أهميّة إستمرار المفاوضات البناءة للتوصل إلى حل شامل لملف إيران النووي، وأن تشمل هذه المفاوضات كافة القضايا والشواغل الأمنية لدول المجلس”. والإعراب عن إستعداد دول المجلس “للتعاون والتعامل بشكل فعّال مع هذا الملف، وعلى ضرورة مشاركتها في جميع المفاوضات والمباحثات والإجتماعات الإقليميّة والدوليّة، بما يسهم في تحقيق الأهداف والمصالح المشتركة في إطار إحترام سيادة الدول، ومبادىء حسن الجوار”.
تحدّث البيان الإيراني، عن “المزاعم الخليجيّة الخاطئة”، وركز في ردّه على لاءات ثلاث:
الأولى: لا تقبل إيران أن تشمل المفاوضات حول ملفّها النووي، “كافة القضايا والشواغل الأمنيّة لدول مجلس التعاون”. تريد أن تكون المفاوضات محصورة فقط بالملف النووي، كي تبقى طليقة اليدين للتدخل في الملفات الأخرى التي تهمّ الخليج.
الثانية: لا تريد إيران مشاركة دول مجلس التعاون “في جميع المفاوضات والمباحثات والإجتماعات الأقليميّة والدوليّة، حول الملفات المفتوحة”. تريد أن تستاثر وحدها بـ”الصفقة” في حال التوصل إليها مع كلّ من الأميركي، والأوروبي.
الثالثة: لا تريد إيران الإشادة الخليجيّة بـ”جهود الوساطة التي تقوم بها الولايات المتحدة، لتمكين حكومة نواف سلام من تنفيذ قرار حصر السلاح”، وقد ردّت الخارجيّة الإيرانيّة بتحميل الولايات المتحدة، والدول الأوروبيّة المسؤولية في تعطيل مسارات التفاوض “من خلال خرقها المستمر للعهود، وإنتهاكها الفاضح لمبادىء ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي”.
إن “حرب البيانات” تعمّق الهوة، ولا يمكن ردمها بـ”المزاعم الخاطئة”. ويبقى بحر بيروت الهائج، الذي ينشر رذاذه على “حصرية السلاح”، أكثر إعتدالاً من أمواج الخليج المتلاطمة ما بين إيران ودول مجلس التعاون. والمفارقة أن “المزاعم الخاطئة” ليست محصورة في علاقة إيران مع الجار الخليجي، بل مع سائر الدول العربيّة، والكثير من الدول الإسلاميّة، وسائر الغرب الأميركي ـ الأوروبي… فهل لدى طهران “مزاعم صادقة” تنظف بمساحيقها “المزاعم الخاطئة”؟!
للانضمام إلى مجموعة الجريدة إضغط على الرابط