الرئيسيةSlider"الربيع الأميركي": "بيريسترويكا" ترامب تُطلق تحولات داخلية.. وفي العالم؟

“الربيع الأميركي”: “بيريسترويكا” ترامب تُطلق تحولات داخلية.. وفي العالم؟

| خضر طالب |

لطالما تعاملت الولايات المتحدة الأميركية مع التحولات السياسية في العالم باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات، مستخدمة عناوين وشعارات مختلفة، كان أبرزها التغيير والديمقراطية والحرية، وصولاً إلى تعميم مفهوم “الربيع” على موجات من التحولات التي شهدتها دول ومناطق مختلفة من العالم.

من “ربيع بكين”، إلى التحولات التي رافقت تفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، مروراً بالغزو العسكري الأميركي لأفغانستان والعراق تحت عناوين إعادة بناء الأنظمة السياسية ونشر الديمقراطية، وصولاً إلى “الربيع العربي” الذي رافقته آمال واسعة بالتغيير، قبل أن تتحول بعض ساحاته إلى حروب أهلية وانقسامات وصراعات لا تزال تداعياتها مستمرة.

وكانت نظرية “البيريسترويكا” وفكرة “الغلاسنوست” اللتان أطلقهما الزعيم الأخير للاتحاد السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، من العوامل التي أسهمت في تسريع تفكّك الدولة العظمى، وبالتالي إطلاق موجة تغيير في العالم. لكن الولايات المتحدة عملت طويلاً على تفكيك “العدو الشيوعي اللدود”.

لم تكن الولايات المتحدة دائماً صانعة هذه التحولات، لكنها كانت حاضرة في معظمها، إما من خلال دعمها المباشر أو غير المباشر، أو عبر احتضان القوى المطالبة بالتغيير، أو استثمار النتائج السياسية والاستراتيجية التي أفرزتها. وفي حالات كثيرة، تجاوزت المسألة دعم الديمقراطية إلى محاولة توظيف التحولات في خدمة المصالح الأميركية وإعادة ترتيب موازين القوى الدولية والإقليمية.

لكن المفارقة التي تفرض نفسها اليوم أن الدولة التي طالما تعاملت مع “الربيع” باعتباره ظاهرة يمكن تشجيعها أو الاستثمار فيها خارج حدودها، بدأت تواجه ملامح ربيع من نوع آخر داخل حدودها، وربما للمرة الأولى بهذا الحجم والوضوح.

إنها الانتخابات النصفية الأميركية التي تحولت نتائجها إلى ما يشبه “الربيع الأميركي”، بعدما وجّه الناخبون ضربة سياسية كبيرة للحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب و”البيريسترويكا” الخاصة به، ومنحوا الديمقراطيين السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، في تحول يتجاوز تبدّل الأكثرية التشريعية، ليكشف عن تغيرات عميقة في المزاج السياسي والاجتماعي الأميركي.

ليس المقصود هنا أن ما جرى في الانتخابات الأميركية يشبه الثورات الشعبية التي شهدتها دول أخرى، أو أن الولايات المتحدة تقف على أعتاب ثورة بالمعنى التقليدي للكلمة. لكن ما يجعل وصف “الربيع الأميركي” قابلاً للنقاش هو أن صناديق الاقتراع تحولت إلى وسيلة تعبير عن رفض قطاع واسع من المجتمع الأميركي للنهج السياسي الذي اعتمده ترامب وإدارته، وعن رغبة في إعادة تصحيح مسار الحكم والتوازنات داخل المؤسسات الأميركية.

النتائج لم تكن مجرد عقوبة انتخابية لحزب حاكم، بل عكست أزمة أعمق تتصل بالاقتصاد، وارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب على إيران، والعلاقة مع “إسرائيل”، والانقسام الاجتماعي، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الدستورية، فضلاً عن الخلاف المتزايد حول موقع الولايات المتحدة ودورها في العالم.

والأهم أن هذه الانتخابات أظهرت أن المجتمع الأميركي، الذي بدا خلال السنوات الماضية وكأنه يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، لا يزال يمتلك أدوات داخلية قادرة على إنتاج تحولات سياسية كبيرة، وإن كانت هذه الأدوات لا تضمن بالضرورة معالجة أسباب الانقسام أو إنهاء الصراع.

ومن هنا، فإن “الربيع الأميركي” لا يمكن اختزاله بانتصار الديمقراطيين، بل ينبغي النظر إليه باعتباره تعبيراً عن محاولة داخل المجتمع الأميركي لإعادة رسم التوازنات، واستعادة مساحة من التوافق حول طبيعة الدولة، ودور مؤسساتها، وحدود السلطة الرئاسية.

ولعل التطور الأكثر أهمية الذي يمكن أن تفرزه هذه الانتخابات هو انتقال مركز الثقل السياسي الأميركي، خلال المرحلة المقبلة، نحو الداخل.

فالرئيس ترامب الذي اعتاد إدارة الملفات الخارجية من موقع القوة، يجد نفسه أمام كونغرس تسيطر عليه المعارضة، بما يحمله ذلك من رقابة وتحقيقات ومواجهات تشريعية ومالية، فضلاً عن صعوبة تمرير الكثير من خياراته السياسية.

وفي المقابل، يجد الديمقراطيون أنفسهم أمام مسؤولية تتجاوز استثمار الانتصار الانتخابي في إضعاف خصمهم، إلى تقديم مشروع سياسي واقتصادي قادر على معالجة الأسباب التي دفعت الناخبين إلى معاقبة الإدارة الجمهورية.

وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تتحول إلى معركة أميركية داخلية مفتوحة، تتداخل فيها ملفات الاقتصاد والضرائب والهجرة والرعاية الصحية والإنفاق العام، مع قضايا الصلاحيات الرئاسية والرقابة على الإدارة، وصولاً إلى طبيعة النظام السياسي الأميركي نفسه.

كما أن الحزب الجمهوري لن يكون بمنأى عن تداعيات هذه النتائج، إذ سيواجه استحقاق مراجعة تجربته تحت قيادة ترامب، وتحديد مستقبل علاقته به، في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028، وما قد تفرضه من إعادة تشكيل للتحالفات والقيادات داخل الحزب.

أما الديمقراطيون، فعلى الرغم من انتصارهم، ليسوا كتلة متجانسة في القضايا الكبرى، سواء في السياسة الخارجية أو العلاقة مع “إسرائيل” أو الإنفاق العسكري أو الهجرة. وبالتالي، فإن إدارة الانتصار قد تكون أكثر صعوبة من تحقيقه، ولا سيما أن المجتمع الأميركي لم يتجاوز انقساماته، بل إن الانتخابات أظهرت حجمها بقدر ما أظهرت قدرة الديمقراطيين على استثمارها.

هنا تكمن إحدى أهم النتائج المحتملة لهذا التحول.

إذا كانت الولايات المتحدة قد أمضت عقوداً في محاولة التأثير على التحولات السياسية في دول العالم، فإنها قد تجد نفسها خلال المرحلة المقبلة مضطرة إلى الانشغال بتحولاتها الداخلية، وإعادة ترتيب بيتها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قبل أن تتمكن من استعادة قدرتها السابقة على إدارة الملفات الخارجية بالزخم نفسه.

ولا يعني ذلك أن أميركا ستتخلى عن مصالحها الدولية، أو أنها ستنسحب من مناطق نفوذها، أو تتوقف عن التدخل في الصراعات التي تمس مصالحها الاستراتيجية. فهذه المصالح لا تتبدل بمجرد تغير الأكثرية في الكونغرس، كما أن موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي يفرض عليها الاستمرار في إدارة شبكة واسعة من التحالفات والملفات.

لكن الفارق قد يكون في الأولويات، وفي مستوى الانخراط، وفي القدرة على تحمل كلفة المغامرات الخارجية.

الحرب مع إيران، مثلاً، لم تعد مجرد ملف عسكري أو استراتيجي، بل أصبحت جزءاً من الحسابات الانتخابية الداخلية، بعدما انعكست كلفتها وتداعياتها على المزاج الشعبي الأميركي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلاقة مع “إسرائيل”، التي باتت تشهد نقاشاً أكثر حدة داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حول المساعدات العسكرية وحدود الدعم الأميركي وشروطه.

ومن هنا، قد تصبح السياسة الخارجية الأميركية أكثر ارتباطاً بما يمكن تسويقه داخلياً، وأقل قدرة على الانطلاق من اعتبارات الهيمنة والنفوذ وحدها.

وقد يكون هذا أحد أبرز التحولات التي يمكن أن تترتب على “الربيع الأميركي”: ليس غياب الولايات المتحدة عن العالم، بل انشغالها المتزايد بنفسها، وتراجع استعدادها لتحمل أعباء خارجية لا تجد لها مردوداً سياسياً واضحاً في الداخل.

إذا صحت هذه القراءة، فإن تداعيات “الربيع الأميركي” لن تتوقف عند حدود الولايات المتحدة.

فالدول التي اعتادت أن تبني حساباتها على ثبات الموقف الأميركي، أو على قدرة واشنطن في التدخل السريع لحماية حلفائها أو فرض تسويات في مناطق النزاع، قد تجد نفسها أمام واقع مختلف.

كما أن القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة قد ترى في الانشغال الأميركي الداخلي فرصة لتوسيع هوامش حركتها، فيما قد تسعى بعض القوى الإقليمية إلى إعادة اختبار حدود النفوذ الأميركي وقدرته على التدخل.

لكن الأخطر أن الانشغال الأميركي بالداخل لا يعني بالضرورة أن العالم سيكون أكثر استقراراً. قد يؤدي تراجع الانخراط الأميركي في بعض الملفات إلى فتح مساحات جديدة للصراعات، أو إلى منح أطراف إقليمية هامشاً أوسع لفرض وقائع ميدانية، في حين قد تلجأ واشنطن، في ملفات أخرى، إلى استخدام القوة بصورة أكثر انتقائية لتعويض تراجع قدرتها على إدارة الأزمات سياسياً.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن هذا الاحتمال يحمل دلالات خاصة. فإيران و”إسرائيل” ودول المنطقة ستعيد جميعها حساباتها وفقاً لما ستكشفه المرحلة المقبلة عن قدرة الإدارة الأميركية على الاستمرار في سياساتها الحالية، وعن طبيعة القيود التي ستفرضها عليها التوازنات الداخلية الجديدة.

أما لبنان، الذي ارتبطت أزماته في السنوات الأخيرة إلى حد بعيد بتوازنات إقليمية ودولية تتقدم فيها الولايات المتحدة، فقد يكون من أكثر الدول تأثراً بأي تبدل في الأولويات الأميركية. فالتراجع في مستوى الانخراط الأميركي، قد يفتح مجالاً أمام احتمالات مختلفة، لكنه قد يترك أيضاً فراغات يصعب على لبنان وحده التعامل معها، ولا سيما في ظل استمرار ارتباط ملفاته الأمنية والسياسية بمسار المواجهة الإقليمية.

ربما تكون المفارقة التاريخية أن الولايات المتحدة التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها نموذجاً للديمقراطية، والتي استخدمت خطاب التغيير والحرية في التعامل مع تحولات العالم، تجد نفسها اليوم أمام اختبار داخلي لا يقل تعقيداً عن الاختبارات التي واجهتها دول أخرى.

“الربيع”، أياً كانت تسميته أو أدواته، لا يضمن وحده ولادة واقع أفضل. وقد تفتح التحولات السياسية أبواباً للتغيير، لكنها قد تكشف أيضاً عن أزمات أعمق، وتطلق صراعات لم تكن ظاهرة بالقدر نفسه قبلها.

ولذلك، فإن ما جرى في الانتخابات الأميركية لا يعني أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار، بل ربما تكون قد دخلت مرحلة إعادة تشكيل سياسي طويلة، ستحدد نتائجها طبيعة النظام الأميركي خلال السنوات المقبلة، وموقعه في العالم.

وإذا كان “الربيع العربي” قد أظهر أن إسقاط التوازنات القائمة أسهل بكثير من بناء توازنات بديلة، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام معادلة مشابهة، وإن كانت أدواتها ومؤسساتها مختلفة تماماً.

فالناخب الأميركي قال كلمته، لكن ترجمة هذه الكلمة إلى واقع سياسي جديد لا تزال في بدايتها. وبين إدارة جمهورية تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، ومعارضة ديمقراطية تحمل انتصاراً كبيراً وانقساماتها الخاصة، ومجتمع لم يتجاوز حالة الاستقطاب، تبدو واشنطن مقبلة على مرحلة سيكون عنوانها الأساسي إعادة ترتيب الداخل الأميركي.

شريط الأحداث