دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الانتظار السياسي، عنوانها الأبرز ما يمكن تسميته بـ”الأسابيع الرمادية”. فنتائج الانتخابات النصفية الأميركية لم تُنهِ حالة الترقب، بل نقلتها إلى مستوى مختلف، بعدما كشفت عن تحوّل كبير في المزاج السياسي الأميركي، من دون أن تحسم في المقابل اتجاهات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما حيال الملفات الأكثر سخونة في الشرق الأوسط.
فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسَي النواب والشيوخ يشكل ضربة سياسية كبيرة لترامب والحزب الجمهوري، ويضع الإدارة الأميركية أمام واقع داخلي جديد، عنوانه انقسام السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس. لكن هذا التحول، على أهميته، لا يعني أن واشنطن ستشهد انقلاباً فورياً في سياستها الخارجية، أو أن القرارات التي اتخذتها الإدارة خلال المرحلة الماضية ستصبح قابلة للتراجع بمجرد تبدل موازين القوى داخل الكونغرس.
هنا تحديداً تبدأ المنطقة الرمادية. فترامب لم يفقد صلاحياته الرئاسية، ولا يزال يمتلك هامشاً واسعاً للتحرك في السياسة الخارجية والقرارات العسكرية، لكنه بات يواجه رقابة سياسية وتشريعية أكثر تشدداً، فضلاً عن حسابات داخلية جديدة قد تؤثر في خياراته، وخصوصاً في ما يتعلق بالحرب مع إيران، وكلفتها، وحدود الانخراط الأميركي فيها.
ولعل المفارقة أن الانتخابات التي كان يُفترض أن تفتح الباب أمام وضوح أكبر في الخيارات الأميركية، أضافت طبقة جديدة من الغموض. فالديمقراطيون الذين حققوا انتصاراً واسعاً لا يملكون بالضرورة تصوراً موحداً لكيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، كما أن اعتراضهم على سياسات ترامب لا يعني أنهم سيذهبون تلقائياً نحو تسوية مع إيران، أو نحو مراجعة جذرية للعلاقة مع “إسرائيل”.
من المرجح أن تكون إيران في مقدمة الملفات التي ستتأثر بالتوازنات الأميركية المستجدة. فنتائج الانتخابات حملت رسالة واضحة إلى الإدارة بأن استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية كانا من العوامل التي ساهمت في خسارة الجمهوريين. وهذا لا يعني أن ترامب سيغيّر حساباته العسكرية فوراً، لكنها تضعه أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف يواصل الضغط على طهران من دون أن تتحول الحرب إلى عبء إضافي على رئاسته، وكيف يحافظ على صورة القوة التي يريد تكريسها من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم بنهايتها؟
في المقابل، قد ترى طهران في النتائج فرصة لإعادة اختبار الموقف الأميركي، سواء عبر المسار التفاوضي أو من خلال إدارة مستوى المواجهة. لكنها تدرك أيضاً أن خسارة الجمهوريين لا تعني بالضرورة وصول إدارة أميركية جديدة إلى الحكم، وأن ترامب سيبقى في البيت الأبيض حتى نهاية ولايته، مع احتفاظه بسلطات أساسية في إدارة الملف الإيراني.
وبين هذين الحسابين، لا تبدو التسوية قريبة بالضرورة، كما لا تبدو العودة إلى التصعيد الواسع محسومة. فكل طرف ينتظر أن تتضح حدود قدرة الطرف الآخر على المناورة، فيما تتداخل الحسابات العسكرية مع اعتبارات الداخل الأميركي والاستحقاقات السياسية المقبلة.
لبنان في المساحة الأكثر ضبابية
إذا كانت المنطقة كلها معنية بهذه المرحلة، فإن لبنان يبدو من أكثر ساحاتها تأثراً بها. فهو لا ينتظر فقط ما ستؤول إليه المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، بل يترقب أيضاً انعكاساتها على الموقف الأميركي من “إسرائيل”، وعلى طبيعة الضغوط التي تمارسها واشنطن في ملف التفاوض والترتيبات الأمنية في الجنوب، فضلاً عن مستقبل الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية اللبنانية.
وتكمن المشكلة اللبنانية في أن هامش الحركة الداخلية يبقى محدوداً أمام مسار إقليمي ودولي تتداخل فيه حسابات أكبر بكثير من قدرة الدولة اللبنانية على التأثير فيها. فالتوجهات الأميركية حيال لبنان لا تُصاغ في الكونغرس وحده، بل تتحدد إلى حد بعيد في البيت الأبيض، وفي ضوء العلاقة الاستراتيجية مع “إسرائيل”، والموقف من إيران، والتقديرات الأمنية الأميركية للمنطقة.
ومع ذلك، فإن انتقال الكونغرس إلى السيطرة الديمقراطية قد يفتح الباب أمام تعديلات في مستوى الرقابة على المساعدات العسكرية، وشروطها، وطريقة التعاطي مع القرارات المتعلقة بتمويل الحرب أو دعم “إسرائيل”. كما يمكن أن يزيد الضغط السياسي على الإدارة لتوضيح أهدافها وحدود انخراطها في المواجهة. لكن من المبكر اعتبار ذلك تحولاً مضموناً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، أو افتراض أن الديمقراطيين سيقدمون مقاربة مختلفة جذرياً لمجرد أنهم أصبحوا أصحاب الأغلبية التشريعية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مستقبل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية عن نتائج المواجهة مع إيران. فواشنطن قد تكون معنية بتثبيت ترتيبات أمنية في الجنوب، لكنها قد تجد أن توقيت فرض هذه الترتيبات وشروطها يرتبطان بمسار أوسع، يتجاوز الحدود اللبنانية، خصوصاً في ظل إصرار إيراني على أن يكون لبنان بنداً واضحاً في التسوية مع أميركا، خصوصاً لجهة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة.
وإذا كانت الإدارة الأميركية قد تعاملت مع الملف اللبناني حتى الآن ضمن رؤية إقليمية تتقدم فيها الاعتبارات الإسرائيلية والإيرانية، فلا مؤشرات كافية على أن نتائج الانتخابات وحدها ستدفعها إلى تغيير هذا النهج.
بين التفاوض والتصعيد
المسألة الأكثر حساسية بالنسبة إلى لبنان هي أن الانتظار لا يعني بالضرورة تجميد التطورات الميدانية. فالفترة التي تفصل بين نتائج الانتخابات الأميركية وتسلم الكونغرس الجديد مهامه في كانون الثاني المقبل قد تشهد استمرار الضغوط السياسية والعسكرية، وربما محاولات لفرض وقائع جديدة قبل أن تتبلور موازين القوى الأميركية بصورة عملية.
وهنا تبرز احتمالات متناقضة: فقد تسعى الإدارة الأميركية إلى استثمار الأشهر المقبلة لتحقيق اختراق في الملفات الإقليمية، قبل أن تصبح حركتها التشريعية أكثر صعوبة، وقد تلجأ في المقابل إلى تشديد الضغوط لإظهار أنها لا تزال قادرة على فرض خياراتها. كذلك، لا يمكن استبعاد أن تحاول “إسرائيل” استغلال المرحلة الانتقالية الأميركية لتكريس وقائع ميدانية أو رفع سقف مطالبها التفاوضية، قبل أن تتضح طبيعة القيود السياسية التي قد تواجهها الإدارة في المرحلة المقبلة.
وفي لبنان، تزداد هذه الاحتمالات تعقيداً بفعل التباين بين الحسابات الداخلية. فهناك من يراهن على أن نتائج الانتخابات ستحدّ من اندفاعة ترامب وتفتح نافذة أوسع أمام التسويات، وهناك من يخشى أن يؤدي الانشغال الأميركي بالداخل إلى منح “إسرائيل” هامشاً أكبر للتحرك، أو إلى تأجيل معالجة الملف اللبناني إلى حين اتضاح صورة المواجهة مع إيران.
لكن الرهان على أي من الاحتمالين لا يزال سابقاً لأوانه. فالكونغرس الجديد لن يبدأ ممارسة صلاحياته قبل كانون الثاني، فيما يستطيع ترامب خلال الفترة الفاصلة مواصلة استخدام أدواته التنفيذية والعسكرية. كما أن التحولات في السياسة الأميركية، حتى بعد تسلم الكونغرس الجديد مهامه، لن تكون تلقائية أو كاملة، بل ستخضع لتوازنات داخلية ومساومات بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية.
انتظار يتجاوز واشنطن
لا تقتصر “الأسابيع الرمادية” على انتظار ما ستفعله واشنطن، بل تشمل أيضاً انتظار مواقف الأطراف الإقليمية التي تعيد حساباتها على ضوء النتائج الأميركية. فإيران تراقب حدود قدرة ترامب على مواصلة الحرب، و”إسرائيل” تترقب ما إذا كان الانقسام الأميركي الداخلي سيؤثر في مستوى الدعم الذي تحصل عليه، فيما تراقب دول المنطقة ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة ترتيب للأولويات الأميركية، أم استمراراً للسياسات نفسها بأدوات مختلفة.
أما لبنان، فيجد نفسه أمام مرحلة تتراجع فيها القدرة على استشراف الاتجاهات، من دون أن تتراجع المخاطر. فالمشهد الداخلي لا يوفر حتى الآن عناصر كافية لتحديد كيفية التعامل مع الاحتمالات المقبلة، والقرار المتعلق بالحرب والسلم يبقى محكوماً بتشابك الاعتبارات اللبنانية والإقليمية، فيما تظل قدرة الدولة على حماية مصالحها مرتبطة بمدى قدرتها على تثبيت موقعها في أي مسار تفاوضي مقبل.
قد لا تكون هذه الأسابيع مرحلة هدوء يسبق انفراجاً، ولا مرحلة تصعيد حتمي يسبق حرباً أوسع. إنها فترة تتغير فيها موازين القوى السياسية، فيما تبقى موازين القوى الميدانية على حالها، أو تتبدل بوتيرة لا تقل خطورة.
لهذه الأسبابا، يبقى لبنان معلقاً بين احتمالات لا يملك وحده تقرير أي منها.


