| بولا مراد |
يُجمع متابعون عن كثب للعلاقات اللبنانية- السورية، التي بدأت تتشكّل بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وقيام النظام الجديد برئاسة أحمد الشرع، إلى أن لبنان يتعامل بقدر كبير من الإيجابية مع الواقع السوري المستجد، ويسعى إلى بناء علاقة منفتحة تؤسس لمرحلة جديدة، لا تشبه في شيء مرحلة الماضي، حين كانت الهيمنة السورية تتحكم بمسار العلاقات بين البلدين.
لكن، وعلى الرغم من تعدّد الأولويات اللبنانية في ملف التواصل مع دمشق، يبدو أن الأخيرة نجحت إلى حدّ كبير في انتزاع تنازلات وتقديمات لبنانية، مقابل مكاسب محدودة جداً لم تتمكن بيروت حتى الآن من انتزاعها، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التوازن في مسار العلاقة الجديدة، وإذا كانت تقوم فعلاً على مبدأ المصالح المتبادلة، أم أن لبنان يندفع في تقديم الخطوات الإيجابية، من دون أن يلقى تجاوباً مماثلاً من الجانب السوري.
وليس خافياً أن ملف النازحين السوريين كان ولا يزال يتصدّر سلّم الأولويات اللبنانية في العلاقة مع دمشق، خصوصاً أن بيروت تعتبر أن الخطوات السورية باتجاه استعادة مواطنيها، لا تزال غير كافية على الإطلاق، في ظل وجود مئات الآلاف من السوريين على الأراضي اللبنانية، من دون توافر حوافز فعلية تشجّعهم على العودة، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية المتردية داخل سوريا.
وكان الجانبان اللبناني والسوري يراهنان على أن سقوط نظام الأسد، وقيام نظام الشرع سيفتح الباب أمام مرحلة من التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، بما يستقطب استثمارات واسعة، ويهيّئ الظروف لعودة القسم الأكبر من النازحين بصورة تلقائية. إلا أن الوقائع جاءت مغايرة لهذه التوقعات، إذ لا تزال سوريا ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية عميقة، بلغت مستويات متقدمة من التدهور، ما يجعل العودة خياراً غير مشجّع بالنسبة إلى شريحة واسعة من النازحين، الذين يتمسكون بالبقاء في لبنان، على الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية فيه ليست أفضل بكثير.
وقد وضع الوفد الوزاري اللبناني، الذي زار دمشق امس الاثنين، ملف النازحين في صدارة أولوياته، ساعياً إلى العودة بالتزامات سورية واضحة وعملية، من شأنها تشجيع المزيد من النازحين على العودة إلى بلادهم، في ظل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي يرتبها وجودهم على لبنان، فضلاً عن تداعياته على سوق العمل، حيث يشكّل السوريون حضوراً واسعاً في عدد كبير من القطاعات والمهن.
ويقول مصدر رسمي لبناني أن “بيروت تدرك تماما أن معالجة هذا الملف ، لا يمكن أن تقتصر على تفاهمات ثنائية مع دمشق، بل تتطلب أيضاً توفير مساعدات دولية لسوريا، إلى جانب تقديم حوافز مالية ومعيشية للنازحين الراغبين في العودة، بما يتيح تأمين الحد الأدنى من مقومات الاستقرار لهم داخل بلادهم. غير أن الأزمات الدولية المتلاحقة، بدءاً من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وصولاً إلى إقفال مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من اضطرابات اقتصادية ومالية وأولويات دولية مستجدة، كلها عوامل ساهمت في تراجع حجم المساعدات والتقديمات المتاحة، وأضعفت فرص توفير الدعم اللازم لإنجاح مسار العودة”.
ولفت المصدر الى أنه “وبالرغم من ذلك، يمكن لدمشق تقديم تعهدات معينة، مرتبطة وبشكل أساسي بأمن العائدين وعدم ملاحقتهم قضائيا، كما تأمين مراكز ايواء داخل المحافظات التي يتحدرون منها، وهي عوامل قد تشجع على العودة”.
وإلى جانب ملف النزوح، هناك ملفان أساسيان يشكّلان أولوية بالنسبة إلى لبنان:
* الأول: مصير المفقودين والمخفيين قسراً داخل سوريا، وهو ملف يبدو وكأنه يتجه تدريجياً نحو الطي، من دون أن تتوافر حتى الآن إجابات واضحة، أو حقائق ملموسة بشأن مصير هؤلاء وأماكن وجودهم. ومن هنا، يضغط لبنان الرسمي باتجاه قيام دمشق ببذل جهود إضافية، لكشف مصير المفقودين، وتقديم المعلومات والحقائق التي تنتظرها عائلاتهم منذ سنوات، باعتبار أن إقفال هذا الملف لا يمكن أن يتم ، من دون كشف الحقيقة، وتحقيق الحد الأدنى من العدالة.
* الثاني: الهواجس الأمنية التي لا تزال تشغل بيروت، ولا سيما خشيتها من أن تتحول المجموعات السورية المتفلتة من سلطة الدولة، إلى مصدر تهديد أمني عبر تنفيذ عمليات أو تحركات داخل الأراضي اللبنانية. وتزداد هذه المخاوف في ضوء علامات الاستفهام، التي تحيط بعودة نشاط عمليات نقل وتهريب الأسلحة عبر الحدود في الفترة الأخيرة، بما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة النظام السوري الجديد على ضبط حدوده، وبسط سلطته عليها بالكامل، وهو ما يشكّل مصدر قلق إضافي للجانب اللبناني.
وكان لبنان سبّاقاً في تقديم التسهيلات للجانب السوري، وبالتحديد في ملف المحكومين السوريين، حيث غادر عدد كبير منهم إلى سوريا لاستكمال تنفيذ محكومياتهم هناك، فيما استفاد بعضهم مؤخرا من قانون العفو الذي صدر في بيروت، فأُفرج عنهم بعد انتقالهم إلى الأراضي السورية. ويستمر التنسيق بين الجانبين في هذا المجال، بما يحقق مصلحة مشتركة، وإن كانت الأولوية فيه تبدو سورية من جهة، ولبنانية من جهة أخرى، لناحية تخفيف الاكتظاظ الذي تعاني منه السجون اللبنانية.
في المقابل، تطالب دمشق بتقديمات لبنانية إضافية تتصل بملف المسؤولين في النظام السوري السابق، الذين فرّوا إلى لبنان ولا يزالون موجودين على أراضيه. وهو ملف عاد إلى الواجهة مؤخراً، عقب عملية أمنية نُفذت داخل لبنان ، وأثارت الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً أنها جرت من دون تنسيق مباشر ومسبق بين الدولتين اللبنانية والسورية، ما أعاد طرح مسألة كيفية التعاطي مع هذا الملف الحساس، وحدود التعاون الأمني والقضائي بين البلدين.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام بيروت ودمشق ، في الانتقال من مرحلة تبادل التسهيلات إلى بناء شراكة متوازنة، عنوانها احترام السيادة وتكافؤ المصالح. فهل تنجح العلاقة الجديدة في تجاوز إرث الماضي؟ أم أن اختبار الندية لا يزال مؤجلاً؟



