الرئيسيةSliderبين ملاحقة "إسرائيل" دولياً وتنازل الدولة اللبنانية: الضحايا يخوضون معركة العدالة وحدهم!

بين ملاحقة “إسرائيل” دولياً وتنازل الدولة اللبنانية: الضحايا يخوضون معركة العدالة وحدهم!

فتح القضاء في باريس تحقيقاً في دعوى رفعها فنّان فرنسي من أصل لبناني على الجيش الإسرائيلي، بتهمة ارتكاب جريمة حرب باستهدافه مبنى سكنياً في بيروت أواخر عام 2024، بحسب ما قالت وكيلته لوكالة الأنباء الفرنسية اليوم الثلاثاء.

وأوضحت المحامية كليمانس بيكتارت أن موكلها علي شري، الذي فقد والديه في الغارة على هذا المبنى، تقدّم خلال الربيع الفائت بدعوى حق مدني إلى جانب الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، ما أتاح تعيين قاضيَي تحقيق من الفرع المتخصص في الجرائم ضد الإنسانية في المحكمة القضائية في باريس، واصفةً ذلك بأنه سابقة.

ولا تنفصل هذه الخطوة عن محاولات متزايدة تقودها عائلات ضحايا لبنانيين لنقل ملف الاعتداءات الإسرائيلية إلى المحاكم الدولية، سعياً إلى انتزاع حقها في المحاسبة، في ظل غياب مسار قضائي لبناني فاعل لملاحقة المسؤولين عن استهداف المدنيين وتدمير المناطق السكنية.

وفي هذا السياق، يبرز تحرّك علي شهاب، شقيق المصوّر اللبناني محمد شهاب، الذي استشهد مع ابنته تالين في غارة إسرائيلية استهدفت منزلهما في منطقة عرمون في آذار 2026. إذ يعمل شهاب على إعداد ملف قانوني متكامل لمقاضاة إسرائيل أمام محاكم أوروبية، بالتعاون مع منظمات حقوقية دولية ومراكز متخصصة في القانون الدولي الإنساني، مستنداً إلى توثيق بصري وشهادات وتقارير طبية ومحاضر رسمية، بهدف اختيار الدولة الأوروبية التي تتيح قوانينها فتح مسار قضائي على أساس الاختصاص القضائي العالمي. كما يدرس إمكان إطلاق منظمة في أوروبا تُعنى بقضية شقيقه وابنته، وبقضايا الضحايا المدنيين في لبنان عموماً.

ولم يقتصر التحرك على هذه القضية، إذ شهدت فرنسا أيضاً مساراً قانونياً آخر، بعدما تقدّم مواطن لبناني يحمل الجنسية الفرنسية، يُعرف باسم محمد هـ.، في حزيران 2026، بشكوى على خلفية مقتل والدته وشقيقته واثنين من أبناء شقيقته في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في نيسان من العام نفسه، مطالباً بالتحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

كذلك أطلقت جهات حقوقية ومحامون دوليون مبادرات لتجميع شكاوى عائلات الضحايا اللبنانيين وملاحقة “إسرائيل” أمام القضاء في دول أجنبية، من بينها حملة الائتلاف الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب، التي أعلنت في تموز 2026 السعي إلى جمع مئة شكوى قانونية خلال مئة يوم، مع التركيز على الاستفادة من جنسيات الضحايا المزدوجة لفتح دعاوى في الدول التي يحملون جنسيتها، إلى جانب البحث عن مسارات قانونية متاحة للبنانيين الذين لا يحملون جنسيات أخرى.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ضوء الجدل الذي أثاره الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي الموقع في واشنطن في 26 حزيران 2026، ولا سيما البند الثالث عشر منه، الذي ينص على اتخاذ إجراءات لوقف ما وصفه بـ”الأعمال العدائية أو السلبية” في المحافل السياسية والقانونية الدولية. وقد أثار هذا البند اعتراضات حقوقية وقانونية، وسط مخاوف من أن يُستخدم لتقييد لجوء لبنان إلى المحاكم والهيئات الدولية لملاحقة الجرائم الإسرائيلية، أو الحد من دعمه لعائلات الضحايا الساعية إلى العدالة.

وفيما اعتبر حقوقيون أن الصياغة قد تشكّل عملياً تراجعاً عن واجب الدولة في ملاحقة الجرائم الخطيرة، أكدت الحكومة اللبنانية أن الاتفاق لا يسلب الأفراد حقهم في تقديم شكاوى أمام المحاكم الأجنبية، وأنه لا يعني تنازلاً دائماً عن الحقوق القانونية للبنان. إلا أن الإشكالية الأساسية تبقى في مدى استعداد الدولة لتوظيف إمكاناتها القانونية والدبلوماسية لدعم هذه المسارات، ولا سيما أن الضحايا لا يستطيعون خوض معركة العدالة بمعزل عن دور مؤسسات الدولة في حفظ الأدلة وتوثيق الانتهاكات وتوفير الدعم القانوني.

وبينما تتجه عائلات فقدت أبناءها وأهلها ومنازلها إلى المحاكم الأجنبية، وتخوض معارك قانونية وإعلامية لإبقاء جرائم الحرب حاضرة أمام الرأي العام الدولي، يبرز التناقض بين هذه الجهود الفردية وبين المسار الرسمي اللبناني، الذي وضع نفسه، من خلال توقيع الاتفاق الإطاري، أمام قيود وتساؤلات جدية بشأن قدرته على متابعة حقوقه وملاحقة المسؤولين عن المجازر التي ارتُكبت على أرضه. فبعد آلاف الضحايا والجرحى والدمار الواسع الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية، لا تبدو المسألة مجرد خلاف على صياغة بند في اتفاق، بل تتصل بحق اللبنانيين في العدالة، وبمسؤولية الدولة عن عدم تحويل وقف الحرب أو التفاوض إلى ثمن يُدفع من حق الضحايا في المحاسبة.

شريط الأحداث