دخل لبنان والمنطقة مرحلة من الانتظار السياسي والعسكري، تتداخل فيها حسابات الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول الجاري، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني المقبل، مع مسار المواجهة المفتوحة مع إيران، واستمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان وغزة والضفة الغربية.
وفي ظل غياب تسوية نهائية تنهي الصراعات القائمة، تبدو الأسابيع المقبلة محكومة بتوازن دقيق بين المساعي الدبلوماسية والاستعدادات العسكرية، وسط ترقب لما قد تفرزه صناديق الاقتراع من انعكاسات على قرارات الحرب والتفاوض.
ولا يقتصر الانتظار على معرفة هوية القيادة السياسية التي ستتولى إدارة المرحلة المقبلة، بل يشمل أيضاً طبيعة الخيارات التي ستعتمدها واشنطن وتل أبيب، وما إذا كانت ستتجه نحو احتواء المواجهات القائمة، أم إلى تصعيد عسكري جديد يفرض وقائع مختلفة على أكثر من جبهة.
في الملف الإيراني، تتزايد المؤشرات إلى أن المواجهة لم تصل إلى خواتيمها، على الرغم من المساعي الرامية إلى تثبيت التهدئة وإحياء التفاوض. فالتباينات بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، والعقوبات، وشروط إنهاء الحرب، لا تزال تحول دون التوصل إلى تسوية مستقرة. وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير عن استعدادات عسكرية أميركية وإسرائيلية لاحتمال استئناف الضربات، فيما تتواصل الاتصالات والوساطات لتفادي العودة إلى مواجهة واسعة. وقد أشار تقرير لمجلس العلاقات الخارجية، في تحديثه الصادر في 23 تشرين الأول، إلى استمرار تعثر التسوية وتبادل الضربات، فيما أفادت تقارير صحافية بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عارض استئناف الهجمات الإسرائيلية على إيران قبل الانتخابات النصفية الأميركية.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية مع اقتراب الاستحقاق الأميركي، إذ قد تتقاطع الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الداخلية، ولا سيما في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب وارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب حركة الملاحة. لكن ربط أي قرار عسكري بالانتخابات وحدها يبقى قراءة غير كافية؛ فطبيعة الرد الإيراني، وحسابات الردع، ومصالح الحلفاء، ومسار الوساطات، كلها عوامل يمكن أن تدفع باتجاه التصعيد أو تؤخره.
أما في “إسرائيل”، فتجري الانتخابات في ظل خلافات داخلية حول المسؤولية عن إخفاقات 7 تشرين الأول 2023، وإدارة الحرب، ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، فضلاً عن المواجهة مع إيران.
وعلى الرغم من التباينات بين بنيامين نتنياهو وخصومه في عدد من الملفات، فإن المواقف المعلنة للمرشحين الرئيسيين لا تشير إلى تحول جذري متوقع في المقاربة الأمنية، سواء في غزة أو تجاه إيران، فيما تتركز بعض الفوارق على أساليب إدارة الملفات العسكرية والسياسية والمستوطنات في الضفة الغربية.
ومن هنا، لا يعني انتهاء الانتخابات الإسرائيلية بالضرورة انحسار التصعيد، كما لا يعني تغيير الحكومة، إن حصل، تبدلاً تلقائياً في السياسات المتبعة على الجبهات. فقد تسعى القيادة المقبلة إلى استثمار ما تعتبره مكاسب ميدانية لتكريس شروط تفاوضية جديدة، أو قد تلجأ إلى توسيع العمليات لإظهار قدرتها على فرض معادلات أمنية مختلفة. وفي المقابل، يمكن أن تفرض الضغوط الأميركية والاقتصادية والدولية حدوداً على هامش الحركة العسكرية.
وتبرز في هذا السياق دلالات لافتة لبدء جنود الاحتلال الإسرائيلي الاقتراع في الانتخابات العامة من مواقعهم العسكرية، بما فيها المواقع المقامة داخل الأراضي اللبنانية التي يحتلها جيش الاحتلال الإسرائيلي. فقد بدأ التصويت العسكري في 21 تشرين الأول، وشمل مواقع في لبنان وغزة وسوريا، على أن يستمر حتى موعد الانتخابات العامة في 27 تشرين الأول.
وتتجاوز دلالة هذا الإجراء جانبه التنظيمي، لتطرح سؤالاً سياسياً وعسكرياً عن طبيعة المرحلة التي تدخلها المنطقة. فقد تزامن بدء الاقتراع مع استمرار العمليات الإسرائيلية في مناطق مختلفة من جنوب لبنان، ما يعني أن الاستحقاق الانتخابي يجري فيما لا تزال الجبهة مفتوحة على احتمالات التصعيد، وأن جيش الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع وجود قواته خارج كيان الاحتلال بوصفه واقعاً قائماً خلال العملية الانتخابية، لا وضعاً مؤقتاً انتهى مفعوله.
ولا يثبت هذا التزامن، في حد ذاته، وجود قرار بتوسيع العمليات لأهداف انتخابية، لكنه يؤشر إلى أن الانتخابات لا تشكل، حتى الآن، ضمانة لوقف العمليات أو تجميدها. كما أن استمرار حالة الطوارئ والاستعدادات الأمنية الإسرائيلية، في ظل الغموض المحيط بالجبهتين الإيرانية واللبنانية، يعزز الانطباع بأن جيش الاحتلال يستعد لاحتمالات متعددة، لا لمرحلة تهدئة محسومة.
وفي لبنان، تتخذ حالة الانتظار أبعاداً أكثر حساسية، لأن البلد لا يملك ترف الفصل بين تطورات الجبهة الجنوبية ومسار المواجهة الأميركية ـ الإيرانية. فالتصعيد بين واشنطن وطهران قد ينعكس مباشرة على الوضع اللبناني، سواء من خلال اتساع المواجهة، أو من خلال استخدام الجبهة الجنوبية ورقة ضغط متبادلة، أو عبر إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية بما ينعكس على المفاوضات الجارية بين لبنان و”إسرائيل”.
ولا تنفصل غزة والضفة الغربية عن هذه الحسابات. فاستمرار العمليات الإسرائيلية في غزة، والخلاف على مستقبل القطاع وإدارته وإعادة إعماره، إلى جانب تصاعد التوتر في الضفة الغربية، يجعل أي انفراج على جبهة عرضة للتأثر بتطورات الجبهات الأخرى. كذلك، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تؤثر في أسلوب إدارة هذه الملفات، لكنها لا تقدم، حتى الآن، ما يكفي للاعتقاد بأن تغييراً سياسياً سيؤدي حكماً إلى إنهاء العمليات أو تغيير جوهر السياسات القائمة.
في المحصلة، لا تبدو المنطقة أمام انتظار هادئ لنتائج الانتخابات، بل أمام فترة تتعايش فيها الحسابات السياسية مع الاستعدادات العسكرية، وقد تتحول خلالها الأيام الفاصلة عن الاستحقاقات المقبلة إلى مرحلة اختبار للقدرة على ضبط التصعيد أو توظيفه. وبين الرهان على أن تفرض الانتخابات قيوداً على قرارات الحرب، واحتمال أن تسعى الأطراف إلى تحسين مواقعها قبل اتضاح النتائج، يبقى لبنان الحلقة الأكثر تعرضاً لتداعيات هذا الغموض.
فالمسألة بالنسبة إليه ليست فقط ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع في “إسرائيل” والولايات المتحدة، بل ما إذا كانت المرحلة التي تليها ستفتح الباب أمام تسوية تضمن وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، أم ستشهد محاولة لفرض وقائع جديدة تجعل التفاوض أكثر صعوبة. وحتى تتضح الإجابة، سيبقى لبنان في حالة انتظار محفوفة بالمخاطر، حيث لا يعني غياب القرار النهائي ببدء حرب جديدة أن احتمالات التصعيد قد تراجعت، ولا يعني استمرار الاتصالات أن التسوية باتت قريبة.


