لم تكشف جولة تامبا عن خلافات لبنان مع العدو الإسرائيلي فحسب، بل أظهرت أيضاً حجم التعقيدات التي تواجه الدولة اللبنانية في التعامل مع الضغوط الأميركية، بين متطلبات التفاوض لوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلة، والمطالب المتصلة بسلاح “حزب الله” ودور الجيش في المرحلة المقبلة.
الجولة التي انتهت من دون بيان مشترك أو اختراق معلن، تركت الأسئلة الأساسية معلّقة، وفتحت الباب أمام مرحلة قد تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية الداخلية مع الاستحقاقات الإقليمية والانتخابية.
وبحسب معطيات متداولة، لم تكن قيادة الجيش اللبناني متحمّسة للمشاركة في جولة المفاوضات العسكرية المباشرة، انطلاقاً من تقديرها أن سقف المطالب الإسرائيلية لا يتيح تحقيق تقدم فعلي، في ظل استمرار الاعتداءات وغياب التزامات واضحة بالانسحاب.
وتشير هذه المعطيات إلى أن قرار المشاركة جاء تحت ضغط أميركي على السلطة السياسية، التي دفعت بدورها باتجاه إرسال الوفد العسكري إلى تامبا، رغم التحفظات بشأن جدوى المفاوضات.
وفيما لم يصدر بيان مشترك يوضح نتائج الجولة، بقيت الخلافات قائمة حول آليات التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، ووقف الاعتداءات، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، ودور الجيش في المرحلة المقبلة.
ويعكس غياب البيان صعوبة التوصل إلى صيغة مشتركة، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار المسار التفاوضي، الذي يُتوقع أن يستمر تحت ضغط واشنطن، الراغبة في منع وصوله إلى طريق مسدود.
وتبرز آلية التحقق من الإجراءات الأمنية بوصفها إحدى العقد الأساسية. فبحسب المعلومات المتداولة، تدفع أميركا و”إسرائيل” باتجاه “تطبيع عسكري” و”إنهاء حالة العداء”، عبر الإصرار على “تنسيق مباشر” مع الجيش اللبناني، أو إنشاء آلية عملياتية مشتركة، فيما يتمسك لبنان بآلية رقابة تتولاها جهة ثالثة، بمشاركة أميركية أو دولية. ولا يقتصر الخلاف هنا على الجوانب التقنية، بل يتصل بطبيعة العلاقة الأمنية التي يمكن أن تنشأ بين الطرفين، وحدود ما يُطلب من المؤسسة العسكرية اللبنانية الالتزام به، فضلاً عن دفعة للتورّط في اقتتال داخلي لبناني.
وفي موازاة ذلك، تربط “إسرائيل” أي انسحاب إضافي من الأراضي اللبنانية المحتلة بتنفيذ ترتيبات أمنية تتصل بسلاح “حزب الله”، فيما يطالب لبنان بوقف الاعتداءات والانسحاب من أراضيه.
ويضع هذا التباين الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد: مواصلة التفاوض سعياً إلى تثبيت الأمن واستعادة الأراضي، من دون أن تتحول المفاوضات إلى مسار يُحمّل الجيش مسؤوليات تتجاوز قدرته على التنفيذ أو يفتح الباب أمام مواجهة داخلية.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية في ضوء ما يُتداول عن ضغوط أميركية على قيادة الجيش، وصلت، وفق تقارير ومعلومات سياسية، إلى المطالبة بإقالة قائده العماد رودولف هيكل، على خلفية الخلاف بشأن وتيرة تنفيذ إجراءات حصرية السلاح والوسائل المعتمدة لتحقيقها.
غير أن جوهر الخلاف لا يتعلق بمبدأ خضوع المؤسسة العسكرية لقرارات السلطة السياسية، وهو مبدأ أساسي في الدولة، بقدر ما يرتبط بحدود التنفيذ ووسائله وتقدير مخاطره. فالتساؤل المطروح هو ما إذا كانت السلطة السياسية قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة تراعي الظروف اللبنانية، أم أن الضغوط الخارجية قد تدفعها إلى خيارات لا تتناسب مع تقديرات الجيش للمخاطر الأمنية والاجتماعية المترتبة عليها.
وفي هذا السياق، تتحدث أوساط لبنانية عن ضغوط أميركية وسعودية متزامنة، وعن تحركات إعلامية وسياسية تستهدف دفع الجيش إلى تنفيذ إجراءات أكثر حزماً في ملف السلاح. كما نُقلت عن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى مواقف تشكك في حجم المخاوف اللبنانية من احتمال اندلاع مواجهة بين الجيش و”حزب الله”. وإذا صحّت هذه المواقف بالصيغة المنقولة، فإنها تعكس، بالحد الأدنى، تبايناً في تقدير المخاطر بين بعض المسؤولين الأميركيين والجهات اللبنانية التي تحذّر من تداعيات أي احتكاك مسلح. إلا أن الأمر يتجاوز التباين، لأن هناك كلاماً صريحاً صدر مراراً ويحرّض على الفتنة الداخلية، ولا يهتم لانزلاق البلد نحو “حرب أهلية” وفق تعابيرهم.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن ملفات داخلية أخرى تتزامن معها. فقد برزت قضية شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر، وما رافقها من سجال بشأن علاقتها بـ”حزب الله” والجهة التي كانت متجهة إليها، في ظل ضغوط لإحالة القضية إلى المجلس العدلي. كذلك، أُثير الملف خلال اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس جوزاف عون، وفق ما أوردته المعلومات الأميركية الرسمية، بالتوازي مع الدعوة إلى تعزيز التواصل العسكري المباشر مع “إسرائيل”.
ويثير تزامن هذه الملفات تساؤلات بشأن مدى ترابط الأولويات الأميركية المتعلقة بالحدود وسلاح “حزب الله” والمسار الأمني الداخلي. فالتعامل معها بوصفها ملفات منفصلة قد لا يعكس بالضرورة طبيعة الضغوط التي تواجهها بيروت، فيما يخشى معارضون لهذا المسار أن يؤدي تراكمها إلى تضييق هامش المناورة أمام الدولة والجيش، ورفع احتمالات الاحتكاك الداخلي.
أما على المستوى التفاوضي، فتبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على ثلاثة احتمالات:
ـ استمرار المفاوضات التقنية مع إبقاء الخلافات الأساسية معلّقة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني.
ـ التوصل إلى تفاهم جزئي برعاية واشنطن، يتناول آليات التحقق أو توسيع انتشار الجيش مقابل خطوات إسرائيلية محددة.
ـ استمرار الجمود التفاوضي بالتزامن مع تصعيد ميداني، إذا لم تمارس الولايات المتحدة ضغطاً فاعلاً لوقف الاعتداءات.
ولا يبدو أن أياً من هذه المسارات قد حُسم حتى الآن. فنجاح التفاوض يتطلب تفاهمات متبادلة وخطوات ميدانية واضحة، لا مجرد استمرار الاجتماعات، فيما يرتبط أي تقدم فعلي بمدى استعداد واشنطن للضغط على الطرفين، وليس على لبنان وحده.
في المحصلة، تجاوزت جولة تامبا حدود البحث في ترتيبات أمنية على الحدود، لتطرح سؤالاً أوسع عن قدرة الدولة اللبنانية على إدارة التفاوض تحت ضغط خارجي متزايد، والحفاظ على دور الجيش بوصفه مؤسسة وطنية لا طرفاً في صراع داخلي.
وبين المطالب الأميركية، والشروط الإسرائيلية، وموقف “حزب الله”، يبقى التحدي الأساسي أمام بيروت هو منع تحوّل المسار التفاوضي إلى مدخل لمواجهة داخلية، بالتوازي مع السعي إلى وقف الاعتداءات واستعادة الأراضي اللبنانية المحتلة.


