تجاوزت الحكومة قطوعاً سياسياً خطيراً، بعدما نجحت في احتواء محاولة دفعها إلى إحالة قضية شاحنة ضهر البيدر التابعة لـ”حزب الله” إلى المجلس العدلي، في توقيت يصعّد فيه العدو الإسرائيلي عدوانه على الجنوب اللبناني، ويوسّع دائرة التدمير الممنهج، محوّلاً بعض القرى المحتلة إلى أرض محروقة.
وقد أثارت محاولة تمرير الإحالة خلافاً داخل مجلس الوزراء، دفع رئيس الحكومة نواف سلام إلى التعبير عن انزعاجه من أداء وزراء “القوات اللبنانية”، الذين انسحبوا من الجلسة، واصفاً تصرّفهم بأنه من “الخطوات الشعبوية التي تعوّدنا عليها”، في موقف عكس رفضه المزايدات السياسية التي لا تقدّم مصلحة البلد على الاعتبارات الحزبية الضيّقة.
في المحصلة، نجحت الاتصالات السياسية التي تكثّفت في الساعات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء، الخميس، بين بعبدا وعين التينة والسراي الكبير، في احتواء المواجهة التي كانت تهدّد الجلسة المنعقدة في بعبدا، على خلفية البند السابع من جدول الأعمال، المتعلّق بطلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وانتهت الاتصالات إلى تفاهم لم تشارك فيه “القوات اللبنانية”، قضى بتأجيل الإحالة إلى حين استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات.
ولوحظ أن حزب “الكتائب” أسهم في تهيئة المناخ الذي أتاح التوصل إلى التفاهم، بعدما لبّى رئيسه سامي الجميل دعوة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى بعبدا قبل الجلسة، في إطار اتصالات هدفت إلى منع انتقال الخلاف إلى صدام داخل الحكومة.
وكان لافتاً تعامل وزراء “الثنائي الشيعي” مع النقاش بسلاسة وتروٍّ، ما سهّل التوصل إلى المخرج، من دون صدام مع وزراء “القوات” الذين أصرّوا على الإحالة. وكان لتدخّل الرئيس عون الدور الأبرز في إبقاء النقاش ضمن حدود مقبولة، في ظل تجاوب رئيس الحكومة مع مساعي التهدئة.
وسبقت الجلسة موجة من التصعيد السياسي والإعلامي، ترافقت مع تكثيف الاتصالات الهادفة إلى سحب فتيل الأزمة، واستمرّت حتى الساعات الأخيرة قبل انعقادها. وتزامنت هذه المساعي مع خلوة بين عون وسلام، فيما أشارت المعطيات إلى أن رئيس الجمهورية بعث، قبل الجلسة، برسائل مفادها أن الملف لن يُحال إلى المجلس العدلي. وأسهمت هذه الإشارات في إبقاء باب التهدئة مفتوحاً، بعدما كان “حزب الله” قد حذّر من أن تمرير البند قد يدفع الأمور نحو مواجهة يصعب ضبطها.
وكان “حزب الله” قد حذّر من المضي في الإحالة، معتبراً أنها تفتقر إلى أساس قانوني، ومحذّراً من تحويل القضية إلى مواجهة داخلية قد تضع المقاومة في مسار تصادمي يراه الحزب مكمّلاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان. ولم يقتصر اعتراضه على المرجعية القضائية، بل ارتبط أيضاً بقراءته للمسار السياسي الذي قد تفتحه القضية، في ظل الخلاف القائم حول السلاح والعلاقة مع الدولة. وفي هذا السياق، اعتبر الحزب أن الإحالة تعني “قراراً بإعدامه وتوريطه في صدام داخلي يتسبب له بمقتل”.
لكن الحزب التزم التهدئة خلال اليومين الماضيين، تجاوباً مع الاتصالات التي تولّاها رئيس مجلس النواب نبيه بري، متجنّباً التصعيد العلني المباشر في وجه عون وسلام. وبحسب المعلومات، نقل الحزب عبر الوسطاء رسالة مفادها أن تجنّب الإحالة قد يشكّل خطوة يمكن البناء عليها، ولا سيما في ظل انقطاع التواصل السياسي بينه وبين رئيس الجمهورية. وتعامل الحزب مع الملف بحذر، وبالتنسيق مع المعنيين، منتظراً نتائج الاتصالات وما سيُطرح داخل الجلسة، بدلاً من استباقها بتصعيد قد يضيّق هامش التسوية.
وتمثّل المخرج في تأجيل البتّ في إحالة الملف إلى المجلس العدلي، واعتماد مقاربة سياسية ـ قانونية تقوم على استكمال التحقيقات القضائية والأمنية وتحديد المسؤوليات قبل اتخاذ القرار.
وتستند المقاربة الرسمية إلى اعتبار أن الإحالة إلى المجلس العدلي ينبغي أن تسبقها صورة مكتملة عن نتائج التحقيقات الاستنطاقية والأمنية والمسؤوليات المترتبة عليها. وبناءً على ذلك، فإن اتخاذ قرار بالإحالة في هذه المرحلة قد لا يحقق فائدة عملية، بقدر ما قد يفتح الباب أمام أزمة سياسية وأمنية يصعب احتواؤها.


