| خضر طالب |
لم يأتِ قرار وزيرة التربية ريما كرامي بإقفال “ثانوية حسن الحجة”، من فراغ.
“ثانوية الملعب” أو “ثانوية المئتين” سابقاً، التي كانت أيقونة التعليم الرسمي منذ افتتاحها في العام 1965، وحتى نهاية الثمانينيات، سقطت ضحية قرار وزيرة التربية، التي هي إبنة مدينة طرابلس، ويفترض أنها تعلم مكانة هذه الثانوية في وجدان آلاف الطلاب الذين تخرّجوا منها.
صحيح أن وزيرة التربية ليست هي المسؤولة عن الحالة التي وصلت إليه الثانوية، لكنها تجرأّت على إصدار قرار “الإعدام” بحق ثانوية الملعب التي كان الانتماء إليها، أساتذة وطلاباً، مفخرة، ولعقود من الزمن.
ببساطة شديدة، وبشحطة قلم، وقّعت إبنة طرابلس، قرار شطب جزء من ذاكرة المدينة وتاريخها في التعليم. لم يرفّ لها جفن. ربما لأنها من خريجي المدارس الخاصة.
ربما لا تعرف الوزيرة أن وراء اسم “ثانوية الملعب” تاريخاً طويلاً من الأسماء التي صنعت مجد التعليم الرسمي في طرابلس والشمال. من حسن الحجة إلى عبد الرحيم غالب، اللذين تواليا إدارة الثانوية، ثم جاء بعدهما عصام كبارة الذي كان ناظراً، واستمر حتى نهاية الثمانينات.
ربما لم تتعرّف بالنظّار الشيخ أنور بكري وكنانة إمام وكمال دنكر ومحمد المفدي وسامي الزيني وبدر المصري…
ربما لم تتلقّ التعليم من: محمد جراد، بشرى بغدادي، مهى شرمند، زهير سنكري، سلام حمزة، جوزيف الشعار، زهير حكم، عبد القادر معصراني، ميشلين عبود، فاطمة دريعي، فوزي نعمة، غزوة نابلسي، ادمون كحالة، فؤاد دورة، جمال الضناوي، أنطوان كحالة، أحمد كلنك، ليلى مفرج، عبدالمجيد نعنعي، كامل بابا، ادمون عازار، كوستي بندلي، محمود إسماعيل…
ولم تشارك في نشاط رياضي مع بسام بقسماطي، أحمد أنوس، حكمت فلو…
كل واحد من تلك الأسماء، وغيرهم ثلة كبيرة لا يتّسع المجال لذكرهم، هو أيقونة في التعليم الرسمي. حوّلوا “ثانوية الملعب” إلى رمز للتعليم الرسمي الناجح والمتفوّق.
رحم الله من غادر منهم الدنيا مطمئناً إلى أنه أدى رسالته التربوية، وأطال بعمر مَن بقي منهم.
ربما لم تسمع الوزيرة أن “ثانوية الملعب” كانت مركز الثقل في العمل الطلابي في شمال لبنان، قبل افتتاح فروع الجامعة اللبنانية في طرابلس في نهاية السبعينيات.
في كل تحرك مطلبي او احتجاجي، كانت التظاهرات لا تنطلق من دون “ثانوية الملعب” للبنين، وبالتنسيق مع “ثانوية الغرباء” للبنات.
ولا تزال في الذاكرة تظاهرة رفض اتفاقية “كامب ديفيد” بين مصر والعدو الإسرائيلي سنة 1978. بلغت طلائع التظاهرة ساحة جمال عبد الناصر (التل) في وسط طرابلس، وكانت ممتدة إلى خطي انطلاقها من أمام “ثانوية الملعب” على طريق “المئتين” وأمام “ثانوية الغرباء” عند مستديرة نهر أبو علي، أي بمسافة لا تقل عن 10 كيلومتر بعد جمع الخطين.
هذه ليست مجرد مدرسة أُقفلت.
هذه صفحة من تاريخ طرابلس طويت.
صحيح أن الوزيرة كرامي ليست المسؤولة عن انهيار التعليم الرسمي، لكنّها أبرمت قرار “إعدام” التعليم الرسمي الذي بدا منذ عقود.
ليست صدفة أن تقفل “ثانوية الملعب”، وستكرّ السبحة بعدها، في زمن انتشار المدارس الخاصة كالفطر.
فلنتصارح بجرأة، ولو كانت جارحة.
“الدولة العميقة” في لبنان هي التي أقفلت “ثانوية الملعب”، وستقفل غداً غيرها، وستنتقل لاحقاً إلى استهداف الجامعة اللبنانية.
هذه “الدولة العميقة” نجحت في استراتيجياتها على مختلف المستويات:
ـ في الصحّة، المستشفيات الحكومية هي الحلقة الأضعف. والمفارقة الفجّة، أنه كان يوجد في لبنان 16مستشفى حكومياً مجهّزاً بهبات وقروض، مقفلة تماماً بحجة عدم تعيين مجالس إدارة لها، إلى أن جاءت موجة وباء “كورونا” وتم افتتاح هذه المستشفيات في سنة 2020، وأُعطيت كل الدعم الحكومي… لكن، بعد ذلك عادت أغلب هذه المستشفيات لتكون أقرب إلى مستوصفات.
ليس بريئاً أن تبقى المستشفيات الحكومية بهذه الحالة، بينما تدفع الدولة أموالاً طائلة للمستشفيات الخاصة.
المستشفيات الخاصة أحد أركان “الدولة العميقة”.
ـ في قطاع الدواء، تتكشّف فضائح شراء الأدوية بأسعار خيالية، خصوصاً الأدوية المزمنة وأدوية السرطان. ويتحكّم تجار الأدوية بهذا القطاع من ألفه إلى يائه، فيمنع استيراد أدوية رخيصة بحجة “عدم مطابقة المواصفات”، مع أنها معتمدة في دول أكثر تشدداً من لبنان في الرقابة على الدواء.
تجار الدواء هم “ركن” من “الدولة العميقة”.
ـ في قطاع الأمان الصحي عبر الصناديق الضامنة، تتعمّد المستشفيات تهميش مرضى الضمان وتعاونية موظفي الدولة والعسكريين، و”تدلّل” مرضى شركات التأمين الخاصة.
ـ في الكهرباء، “استقالت” الدولة من دورها في تأمين التيار الكهربائي لمواطنيها، وتركتهم تحت رحمة أصحاب المولدات الذين يحظون برعاية وحماية من “الدولة العميقة”، ولا تنفع حملات “الفولكلور” ضدهم لضبطهم، لأنهم أقوى من الدولة وأجهزتها.
ـ في قطاع المياه، غادرت الدولة منذ زمن مسؤوليتها في تأمين مياه الشرب للمنازل بحجة تراجع غزارة الينابيع، وتركت المواطنين تحت رحمة شركات المياه الكبرى التي تبيع الناس مياه الينابيع!
أصحاب شركات المياه هم جزء من “الدولة العميقة”.
ـ تخليص المعاملات في الدوائر الرسمية تحوّل إلى كابوس للمواطنين، والحل كان بسيطاً: شركات خاصة تتولّى تخليص المعاملات وتجبي الرسوم بتكليف من الدولة.
هذه الشركات جزء من “الدولة العميقة”.
ـ الجامعة الوطنية، الجامعة اللبنانية، جامعة الفقراء، لم يتم تعزيزها وتطويرها وتوسيعها لاستيعاب أكبر عدد من الطلاب، ويُجبر الآلاف منهم للذهاب نحو الجامعات الخاصة.
الجامعات الخاصة هي جزء من “الدولة العميقة”.
ـ التعليم الرسمي في المدارس والثانويات، يتهاوى كأحجار “الدومينو”، ويُدفع الناس قسراً نحو التعليم الخاص الذي انتشر كـ”الفطر” حتى أصبح حجمه يوازي ـ وربما يتجاوز ـ حجم التعليم الرسمي.
المدارس الخاصة جزء من “الدولة العميقة”!
لتكن مواجهتنا لانهيار التعليم الرسمي جريئة وصريحة، حتى لو كان جارحة.
هل هناك دولة في العالم تُعطي أساتذة التعليم الرسمي أموالاً لتسجيل أولادهم في المدارس الخاصة؟!
هل هناك دولة في العالم تُعطي أساتذة الجامعة الرسمية أموالاً لتسجيل أولادهم في الجامعات الخاصة؟!
هل هناك دولة في العالم تُعطي الموظف الرسمي أموالاً لتسجيل أولادهم في المدارس والجامعات الخاصة؟!
هل هناك دولة في العالم تُعطي الجندي والشرطي وعناصر الأمن في مختلف أجهزتها، أموالاً لتسجيل أولادهم في المدارس والجامعات الخاصة؟!
قرار إقفال ثانوية الملعب هو نتيجة لهذه السياسة. وغداً ثانويات ومدارس أخرى… لأن الدولة هي التي تُفرغ المدارس والثانويات الرسمية لصالح المدارس والثانويات والجامعات الخاصة.
من حق أستاذ الجامعة والثانوية والمدرسة والموظف والجندي والشرطي وعناصر الأمن، أن يحصلوا على رواتب منصفة. ويمكن أن يتم صرف المبالغ نفسها لهم، لكن ليس تحت بند “بدل أقساط” مدرسية أو جامعية!
“الدولة العميقة” هي التي أقفلت “ثانوية الملعب”، وستُقفل غيرها لصالح المدارس الخاصة… وستقفل لاحقاً كليات من الجامعة اللبنانية… كما أقفلت ـ عملياً ـ مؤسسة الكهرباء لصالح المولدات، ومؤسسة المياه لصالح شركات المياه.
إنه الصراع التاريخي بين مشروع الدولة وبين “الدولة العميقة”..
يبدو أن “الدولة العميقة” تربح المعركة بقوة…
إقفال “ثانوية الملعب” لا يعني إقفال مبنى.
إنه إقفال باب في ذاكرة طرابلس.
والذاكرة لا تُمحى بشحطة قلم…


