تعقد اللجان النيابية المشتركة، الثلاثاء، جلسة لمناقشة اقتراح قانون يرمي إلى إنشاء رعاية صحية أولية شاملة وإلزامية، في خطوة تُقدَّم بوصفها توسعة لمظلة التغطية الصحية، فيما تكشف تفاصيلها عن استمرار المقاربة نفسها التي حكمت هذا الملف لعقود، معالجة التشظي بإضافة مؤسسة جديدة، بدلاً من تفكيك منظومة الصناديق المتعددة التي شكّلت إحدى ركائز الاقتصاد السياسي للزبائنية في لبنان.
فالمشروع المطروح لا يأتي في سياق توحيد الصناديق الضامنة، ولا ينطلق من اعتبار الرعاية الصحية الأساسية حقاً عاماً يفترض أن تضمنه الدولة لجميع المقيمين وتموّله من الخزينة. بل يقترح إنشاء نظام جديد، بتمويل يتوزع بين مساهمة مباشرة من المشترك ومجموعة من الرسوم والمصادر الأخرى. أي أن المشكلة لا تُحلّ من جذورها، بل يُضاف صندوق جديد إلى صناديق قائمة، و”دكانة” جديدة إلى “دكاكين” التغطية الصحية.
عام 2011، كان هناك مشروع مختلف تماماً أعدّه الوزير السابق شربل نحاس، يقوم على تغطية صحية شاملة لجميع المقيمين، بحد أدنى موحّد من التقديمات، وبمعزل عن موقع الفرد في سوق العمل أو المؤسسة التي ينتمي إليها. وكان التمويل المقترح يأتي من الخزينة العامة، بالتوازي مع توحيد الصناديق الضامنة وتركيز الموارد في مؤسسة واحدة.
لم يكن هذا التوحيد مجرد إجراء إداري أو تقني. كان يعني، في جوهره، ضرب واحدة من أهم آليات إنتاج الزبائنية في النظام اللبناني: ربط حصول المواطن على الخدمات الأساسية بالجهة التي ينتمي إليها وبالشبكة السياسية التي يستطيع النفاذ إليها.
فاللبناني لا يدخل إلى النظام الصحي من بوابة واحدة. هناك الضمان الاجتماعي للمصرّح عنهم من العاملين في القطاع الخاص، وتعاونية موظفي الدولة للعاملين في القطاع العام، والصناديق العسكرية للعسكريين والأجهزة الأمنية، إضافة إلى فئات واسعة بقيت خارج أي نظام تغطية منتظم. ولكل مؤسسة قواعدها وتقديماتها ومصادر تمويلها واتفاقاتها مع مقدمي الخدمات.
وهذا التعدد ليس مجرد فوضى إدارية. إنه بنية قابلة للاستثمار السياسي. فحين تصبح الخدمة الصحية موزعة بين مؤسسات وصناديق متعددة، وحين تختلف مستويات التغطية من جهة إلى أخرى، يصبح الوصول إلى الخدمة جزءاً من علاقة القوة والوساطة والحظوة. المواطن لا يكون فقط مشتركاً في صندوق، بل يتحول، في كثير من الحالات، إلى طالب خدمة لدى منظومة سياسية تستطيع أن تتدخل لتأمينها أو تحسينها أو تسريعها.
وفي المقابل، يخلق تعدد الصناديق سوقاً صحية مجزأة، تشتري فيها المؤسسات خدمات الاستشفاء والطبابة والأدوية والمستلزمات الطبية بصورة منفصلة. ومع اختلاف آليات الشراء والتعاقد والتمويل، تختلف الأسعار وشروط التفاوض والجهات المستفيدة، فيما تتسع مساحة العلاقات والحظوات بين الصناديق والمستشفيات والمورّدين.
الاقتراح الحالي في صيغته الأولى، تضمّن الفحص الطبي السنوي، والفحوصات المخبرية والشعاعية، والاستشفاء في المستشفيات الحكومية والخاصة المتعاقدة مع وزارة الصحة، وغسيل الكلى، وأدوية السرطان والأمراض المستعصية، مع إمكانية إضافة خدمات أخرى.
أما التمويل، فبُني على سلة واسعة من الرسوم والضرائب، بينها رسم على الثروة، ورسوم مرتبطة بالتأمين الإلزامي على المركبات، ورسوم على بعض السلع المستوردة، بينها التبغ والمشروبات الروحية ومشروبات الطاقة والعطور ومستحضرات التجميل، إضافة إلى رسم على أرباح بعض المؤسسات التي تنفذ عمليات التحاويل النقدية، ورسم على صفقات اللوازم والأشغال والخدمات مع الدولة والجهات العامة. كما أُبقي الباب مفتوحاً أمام مساهمة من الموازنة العامة والهبات والتبرعات والقروض.
ثم جاءت اللجنة الفرعية التي درست المشروع لتقر مبدأ مساهمة الشخص المشترك بنسبة 5% من الحد الأدنى للأجور، مقابل رزمة من الخدمات الصحية، تشمل الرعاية الوقائية والاستشفاء في المستشفيات الحكومية والخاصة المتعاقدة، وغسيل الكلى وأدوية السرطان والأمراض المستعصية.
وفي عام 2025، بدأت اللجنة الفرعية دراسة الكلفة المتوقعة للرزمة الأساسية من دون إعلان رقم نهائي، فيما قُدّرت الإيرادات المتوقعة من الرسوم والضرائب بنحو 130 مليون دولار من 11 رسماً يمكن أن تشكل موارد للنظام.
اليوم يعود المشروع إلى اللجان المشتركة، ومعه تعود الأسئلة التي جرى تأجيلها لسنوات: من يدفع؟ من يدير؟ من يقرر مستوى التقديمات؟ كيف تُحدد الأسعار؟ وما هي العلاقة بين النظام الجديد ووزارة الصحة والضمان الاجتماعي والصناديق القائمة؟
لكن السؤال الأهم سياسي لا مالي: لماذا لا تزال الدولة عاجزة عن الانتقال من منطق الصناديق المتعددة إلى نظام صحي موحّد يضمن حداً أدنى من الرعاية للجميع؟
والأهم، أليس أجدر بالدولة، بدل أن تدفع هي للمستشفيات الخاصة بدل طبابة عن مواطنيها وموظفيها، أن توفر تلك الأموال لتطوير المستشفيات الحكومية المهملة والمنسية، أم أن دورها اليوم أن تؤمن مصاريف رؤوس المال من أصحاب المستشفيات؟!


