أراح إلغاء الإضراب النقابي والعمالي أو تعليقه ، والذي كان مقرراً الأربعاء، الحكومة، مؤقتاً، من ضغط تحرّك الشارع، واحتمالات تدحرجه وصولاً إلى تجوّله منصة لإسقاط الحكومة، خصوصاً في ظل تصاعد النقمة الشعبية عليها.
وقد لجأت السلطة إلى كل الأساليب والوسائل لإلغاء التحركات الاحتجاجية في الشارع، فمارست ضغوطاً كبيرة على الهيئات النقابية، وقدّمت “تنازلات” محدودة تتعلّق برفع بدل النقل في القطاع العام ودفع بدلات بنزين للسائقين العموميين، ووعوداً بمعالجة الأزمة. وقد أسفر ذلك عن تعليق الاتحاد العمالي العام واتحادات النقل البري، الإضراب الذي كان مقرراً.
إلا ان رابطة موظفي الإدارة العامة اعلنت استمرار الإضراب الشامل يومي الأربعاء والخميس في 30 أيلول و1 تشرين الأول 2026، على أن يستمر الإقفال الكامل يوم الجمعة.
من هنا، لم يعد السؤال في لبنان ما إذا كانت الأزمة المعيشية موجودة، بل لماذا تبدو الدولة وكأنها تتعامل معها وكأنها سلسلة من الملفات المنفصلة، لا أزمة وطنية متكاملة تحتاج إلى رؤية وسياسة وخطة معالجة.
الأرقام الرسمية تكفي للدلالة على حجم المشكلة. فقد ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك في آب الماضي بنسبة 16.66 في المئة على أساس سنوي، فيما يتوقع البنك الدولي أن يبلغ التضخم 17.5 في المئة خلال عام 2026، بالتزامن مع انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4 في المئة. أي أن المواطن يواجه في الوقت نفسه ارتفاعاً في الأسعار وتراجعاً في القدرة الشرائية وانكماشاً اقتصادياً.
ولا يمكن إنكار أن جزءاً من هذا الارتفاع يرتبط بعوامل خارجية، وفي مقدمها ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والشحن نتيجة الحرب والتوترات الإقليمية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأزمة الخارجية إلى ذريعة لترك المواطن وحيداً أمام نتائجها.
فالحكومة لا تستطيع التحكم بسعر النفط العالمي، لكنها تستطيع أن تقرر كيف توزّع أعباء ارتفاعه، وكيف تضبط الأسواق، وكيف تحمي الفئات الأكثر تعرضاً للضرر، وكيف تخفف كلفة الخدمات الأساسية. وهنا تحديداً تبدو الفجوة بين الأزمة المعيشية ودور الدولة.
ففي موازنة 2026، تشكل الإيرادات الضريبية 82 في المئة من إجمالي الإيرادات المقدرة، وتأتي ضريبة القيمة المضافة في مقدمة مصادر الإيرادات الضريبية بنسبة 34.5 في المئة من مجموع الإيرادات. كما تتضمن الموازنة سلسلة من الرسوم والإجراءات المالية والإدارية الجديدة.
ليس الاعتراض هنا على مبدأ تحصيل الدولة لإيراداتها، بل على توقيت السياسة المالية واتجاهها: كيف يمكن مطالبة المواطن بمزيد من الضرائب والرسوم، فيما دخله الحقيقي يتآكل، والخدمات التي يحصل عليها لا تزال عاجزة عن تخفيف أعبائه؟
والأكثر إشكالية هو غياب رؤية متكاملة. تبدو المعالجة في كثير من الأحيان “على القطعة”: أزمة في المحروقات، ارتفاع في فواتير المولدات، بحث في التسعيرة؛ مشكلة في قطاع ما، قرار مؤقت. بينما الأزمة المعيشية واحدة، وأسبابها مترابطة.
الكهرباء نموذج صارخ. فبدلاً من أن تكون معالجة هذا الملف جزءاً من سياسة اقتصادية واجتماعية تخفف كلفة الإنتاج والاستهلاك على الناس، لا يزال المواطن يدفع فاتورتين وأكثر، ويتحمل تبعات أسعار الوقود والجباية والهدر والتعديات والمتأخرات. ومؤسسة كهرباء لبنان نفسها أشارت إلى أن جزءاً من أزمتها لا يرتبط فقط بالأسعار العالمية.
وفي المقابل، لا يبدو المجتمع المدني قادراً على تشكيل ضغط مستمر يفرض على السلطة الانتقال من ردود الفعل إلى سياسات الحماية الاجتماعية. وهذا أكثر أهمية في بلد تشير فيه الدراسات إلى أن الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية تراكمت بصورة كبيرة منذ 2019.
صحيح أن الحكومة تواجه ظروفاً استثنائية، لكن هذا لا يلغي سؤالاً أساسياً: أين السياسة المعيشية؟
المطلوب ليس أن تمنع الحكومة التضخم العالمي، فهذا خارج قدرتها، بل أن تمنع تحوّل كل أزمة خارجية إلى فاتورة إضافية يدفعها المواطن وحده.
فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على زيادة الإيرادات، بل أيضاً بقدرتها على تخفيف الأعباء عن مواطنيها.
والمشكلة اليوم أن المواطن يرى بوضوح ما يُطلب منه أن يدفعه، لكنه لا يرى بالوضوح نفسه ما الذي تفعله الدولة لتجعل حياته أقل كلفة.


