الرئيسيةSliderلبنان.. سويسرا الشرق بالأسعار!

لبنان.. سويسرا الشرق بالأسعار!

كان يُقال عن لبنان إنّه “سويسرا الشرق”، عبارة ارتبطت يومًا بجماله، بمصارفه، بسياحته وبمستوى الحياة فيه. اليوم، يبدو أنّ لبنان وجد مجالًا جديدًا ينافس فيه سويسرا: الأسعار.

ففي بلدٍ تراجعت فيه القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، لا تزال كلفة المعيشة مرتفعة، فيما الرواتب عاجزة عن اللحاق بها. والنتيجة معادلة باتت مألوفة لدى اللبنانيين، أسعار تُحتسب بالدولار، فيما مداخيل شريحة واسعة من الناس لا تزال أقل بكثير من مستوى هذه الأسعار.

المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل بالفجوة الكبيرة بين ما يتقاضاه المواطن وما يحتاجه ليعيش. فحتى مع تباطؤ معدلات التضخم مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة، لا يعني ذلك أنّ الأسعار انخفضت، بل إنّها ببساطة باتت ترتفع بوتيرة أبطأ. وما ارتفع سعره خلال السنوات الماضية لم يعد إلى مستواه السابق، فيما تستمر كلفة السلع والخدمات الأساسية بالضغط على ميزانية الأسر.

وبحسب بيانات حديثة، يبلغ متوسط سعر ليتر الحليب في لبنان نحو 1.74 دولار، فيما يبلغ سعر نصف كيلوغرام من الخبز الأبيض نحو 0.86 دولار، وكيلو الأرز قرابة دولارين، وطبق من 12 بيضة نحو 3.6 دولارات، في حين يقترب سعر كيلوغرام من شرائح الدجاج من 10 دولارات، أما اللحوم الحمراء فلامس سعر الكيلو الـ20 دولاراً.

أرقام قد لا تبدو صادمة للوهلة الأولى إذا ما قورنت بأسعار دول أخرى، لكن المقارنة الحقيقية لا تكون بسعر السلعة وحده، بل بما يمثّله هذا السعر من دخل المواطن. فعندما يقترب سعر كيلو الدجاج من عشرة دولارات، فإن السؤال ليس فقط كم يبلغ سعر الدجاج، بل كم ساعة عمل يحتاجها الموظف ليؤمّن ثمنه.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية. فالحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص رُفع إلى 28 مليون ليرة شهريًا، أي ما يعادل نحو 312 دولارًا وفق سعر الصرف المعتمد عند إقرار الزيادة. وفي المقابل، لا تقتصر مصاريف الأسرة على الغذاء. هناك الإيجار، والكهرباء، والمياه، والنقل، والاتصالات، والتعليم، والطبابة، وغيرها من النفقات التي أصبحت تُسعّر في جزء كبير منها بالدولار أو ترتبط مباشرة بسعر الصرف.

وتكشف مؤشرات كلفة المعيشة عن حجم المشكلة بصورة أوضح. فبحسب بيانات عام 2026، سجّلت بيروت مستوى منخفضًا في مؤشر القدرة الشرائية المحلية، فيما بقيت أسعار الغذاء وكلفة المعيشة مرتفعة مقارنة بمستويات الدخل. وفي بعض التصنيفات، جاءت بيروت ضمن المدن الأعلى كلفة في المنطقة، في وقت لا تزال فيه الأجور اللبنانية بعيدة عن مضاهاة أجور المدن التي تشهد مستويات أسعار مماثلة.

والمفارقة الأكبر أنّ لبنان يعيش اليوم واقعًا اقتصاديًا مختلفًا عمّا كان عليه قبل الأزمة. فقد أصبحت الدولرة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، من السوبرماركت إلى المطاعم، ومن الإيجارات إلى بعض الخدمات. لكن الدولرة لم تعنِ تلقائيًا تحسّن القدرة الشرائية. فمن يحصل على راتبه بالدولار بات أكثر قدرة على مواجهة ارتفاع الأسعار، بينما بقيت فئات أخرى عالقة في معادلة دخل محدود مقابل كلفة معيشة مرتفعة.

وهكذا في السوق نفسها، لبناني يستطيع أن يتعامل مع الأسعار الجديدة لأن دخله يواكبها نسبيًا، ولبناني آخر يعيد حساباته قبل كل عملية شراء، ويضطر إلى حذف بعض الأساسيات من قائمة حاجاته، أو تأجيلها، أو البحث عن بدائل أرخص.

حتى سلة المشتريات اليومية باتت كفيلة بكشف حجم الأزمة. حليب، بيض، خبز، أرز، دجاج وبعض الخضار والمواد الأساسية يمكن أن تستنزف كل دخل الأسرة، قبل احتساب أي من النفقات الأخرى. ومع كل فاتورة جديدة، يجد المواطن نفسه أمام السؤال نفسه: كيف يمكن لراتب محدود أن يواكب أسعارًا لا تبدو محدودة؟

لذلك، لم يعد وصف لبنان بـ”سويسرا الشرق” يحمل المعنى نفسه الذي كان يحمله سابقًا. فإذا كانت سويسرا تُعرف بمستوى دخلها المرتفع، فإن لبنان اليوم يبدو كأنّه استعار منها جانبًا واحدًا فقط وهو الأسعار.

سويسرا الشرق بالأسعار، ولبنان بالرواتب.. وبين الاثنين، يدفع المواطن الفارق من قدرته على العيش.

شريط الأحداث