| جورج علم |
يذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك وواشنطن مرسملًا بأكثريتين نيابيتين: 68 ثقة بحكومته، و86 ثقة بـ”اليونيفيل”.
كان الهدف الأبعد من مناقشة الحكومة أن تنتهي الجلسات إلى ما انتهت إليه؛ أي أن تؤيد الأكثرية النيابية سياساتها الداخلية والخارجية، وبمعنى آخر: أن تؤيد “اتفاق الإطار”، و”المفاوضات مع إسرائيل”، و”الانفتاح شرقًا وغربًا”.
وكان التوقيت مهمًّا؛ فقد حدّد الرئيس نبيه بري موعد انعقاد الجلسة قبيل انطلاق رئيس الحكومة إلى الولايات المتحدة، حيث ينتظره جدول أعمال طافح باللقاءات مع مرجعيات عربية وإقليمية ودولية، مرسملًا بدعم واسع من أغلبيّة شعبية ممثلة بأكثرية نيابية، للعمل على إعادة لبنان “المفعول به” إلى لبنان “الفاعل” المكتمل السيادة والكرامة الوطنية.
لم يكن الدافع إظهار نوعية “القشوة” الطاغية على سطح المزايدات، بل بلوغ النكهة المطلوبة من المداخلات؛ فالظرف دقيق، والقلق المصيري يأسر النفوس، والمنطقة عالقة ما بين حرب مفصلية قد لا تقع، والسلام الذي لم يتحقق، فيما الجنوب يكتوي على جمر الصراع الدولي ـ الإقليمي الهادف إلى استباحة الحدود، وتغيير الجغرافيا، وتبديل مواقع النفوذ، والسيطرة على الثروات.
لا يحمل سلام أوراق ضغط لا يملكها، ولا فائض قوة يفتقر إليها، بل يحمل سؤالًا يختصر معاناة وطن مغلوب على أمره ليطرحه على ضمير العالم الحر: “هل الحق للقوة، أم القوة للحق؟ وهل غادر النظام العالمي معاقله إلى غير رجعة لتحل مكانه الهمجية المسلحة؟”.
لا يحمل هذا القاضي، الذي ترأس يوماً محكمة العدل الدولية، مطالب تعجيزية تربك واشنطن ونيويورك؛ جلّ ما يريده من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تعديل القرار 2790 الصادر في آب من العام الماضي، والإبقاء على قوات “اليونيفيل” في الجنوب، وتمديد ولايتها نزولاً عند طلب رسمي موقّع من 86 نائباً يمثلون الشعب اللبناني، ليحتل هذا الطلب أولوية على مكتب الأمين العام أنطونيو غوتيريش للتأكيد على ضرورة الإبقاء على هذه المظلة الدولية.
وجل ما يريده من المجتمع الدولي الحرص على تشكيل قوة دولية تحظى برعاية الأمم المتحدة تحل مكان “اليونيفيل”، إذا ما أخفقت المساعي في تمديد فترة انتدابها.
وجل ما يريده أيضاً من هذا المجتمع حشد الطاقات والإمكانات لوقف العدوان الإسرائيلي، وإنسحاب جيشه المحتل من كامل الأراضي اللبنانية، وتطبيق القرار 1701، وترسيم الحدود طبقاً لاتفاقية الهدنة، وإطلاق سراح الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، وإطلاق ورشة الإعمار.
وجل ما يريده من واشنطن تطبيق “اتفاق الإطار”، كونها الراعي والوسيط والضامن، والقادرة على “تقليم” مخالب نتنياهو وإرغامه على الالتزام بما تم التوافق بشأنه خلال المفاوضات.
لم يعد ترف الوقت مدرجاً على روزنامة بعبدا أو السرايا الحكومية، بل تحوّل إلى مقصلة؛ فالبلد ينهار، والمواطن يجوع، والمؤسسات تغلق أبوابها وتشرّد عمالها، والبطالة تزدهر مواسمها، والضرائب تحولت إلى شرنقة تخنق ما تبقى من رمق، والجنوب يكابد، والعدو يمعن في غيّه تدميراً وجرفاً وتهجيراً، ودعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية لا يزال “عالوعد يا كمون”! أما دول الدعم، فقد أصبحت بحاجة إلى من يدعمها بفضل السياسة الشرسة التي يمارسها دونالد ترامب. وإذا لم يأتِ الغيث في إبّانه، فلن يبقى ما يسد الرمق!
ولم يعد ترف الوقت متاحاً للحاكم الفرد في البيت الأبيض؛ فوضعه في ميزان القوى الدولية متأرجح ما بين الكره والرفض، وبين الاستنفار لكبح مطامعه. لقد أذل المجتمع الدولي، وجوّعه، ويمعن في خنقه بحجب الأكسجين عن رئاته الاقتصادية الإنتاجية، وهيمنته على الطاقة حرب معلنة لتدمير مصنع العالم.
ولم يعد ترف الوقت متاحاً له في الشرق الأوسط، وتحديداً في الخليج؛ فالأذى الذي أصاب جدار الثقة كبير وتتخلله فجوات واسعة، ولم يعد السؤال يتمحور حول ما يجري بينه وبين إيران، بل حول التداعيات المكلفة التي يسدد فواتيرها الخليج من عافيته الأمنية والسياسية والاقتصادية.
اجتماعه المرتقب مع قادة دول مجلس التعاون المقرر في نيويورك ليس لبناء القدرات، بل للحد من الخسائر، ولا لرفع مداميك في جدار الثقة، بل لسد الفجوات تلافياً لحصول انهيار مدوٍّ. ولم يعد التباين محصوراً بالمضائق ومنابع الطاقة وحركة الناقلات، بل بالاتفاقيات الاستراتيجية المذيلة بتريليونات الدولارات، والتي حولتها المزاجية السياسية الموبوءة بفيروسات الهيمنة والتسلط والاحتواء إلى أبراج متداعية فوق رمال متحركة!
ولم يعد السؤال محصوراً بـ”ماذا يريد دونالد ترامب من إيران؟”، بل: ماذا يريد من الخليج ولبنان وسوريا والعراق والأردن؟ إنه شريك متكافل ومتضامن مع نتنياهو في تمزيق الشرق الأوسط، وشريك معه في “صفقة” قيل إن حجمها يساوي 3 مليارات دولار لتزويده بقنابل ذكية زنة الواحدة ألف رطل لاستخدامها ـ ربما ـ في لبنان!
ترى، ماذا سيقول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عندما يستقبل الرئيس سلام؟ هل سيقول له إن الجولة المقبلة من المفاوضات أصبحت ضرورة ولا بد من تحديد موعدها؟ وهل بوسع لبنان تحمل المزيد من جولات النكبات؟ أم أن منشار الحدود وقطع الأوصال وتغيير الجغرافيا يفعل فعله لاستكمال رسم جغرافية “الشرق الأوسط الجديد”؟!
المؤسف أن سلام سيكون أعزلاً خلال اللقاء المرتقب؛ لا يملك سوى دعم نيابي لسياسة حكومته ومصارحة لا بد منها: “لبنان ينهار.. ولا قدرة له على الانتظار.. وترف الوقت لم يعد لمصلحة أحد!”


