الرئيسيةSlider"شرق ـ غرب".. وملامح "الصفقة الكبرى"!

“شرق ـ غرب”.. وملامح “الصفقة الكبرى”!

| جورج علم |

تكتسي العلاقات السعودية ـ الأميركية حلّة جديدة بمواصفات تشاركية ـ تكاملية تفرضها المتغيّرات على المسرح الإقليمي ـ الدولي، انطلاقاً من الشرق الأوسط، وصراع النفوذ حول المضائق، وقدرات التحكّم بقطاع الطاقة استخراجاً، وتصديراً، واستهلاكاً.

ولم يكتسب أسلوب التفاوض دفئاً متزايداً، إلا أن حرارته لم تبلغ بعد درجة البرودة، وإن كان الجانب الأميركي يعاند في التخلّي عن سطوته، ويصرّ على “عنجهيته” في التفاوض، رافضاً الاعتراف بالمصائب الكثيرة التي خلّفتها سياسته الاحتوائية في المنطقة، حيث تركت الحرب على إيران ندوباً كثيرة، وتداعيات لا يمكن التقليل من أوزارها، بعدما فقدت مظلّة “الأمن المستعار” مفاعيلها، وأضحت الدول المضيفة للقواعد العسكرية الأميركية هدفاً مستباحاً.

وحاول السعودي الإمساك بطرف الخيط، رافضاً القطيعة، وأبرم في 23 تموز الماضي “اتفاق التعاون النووي المدني” مع الولايات المتحدة. وأحال دونالد ترامب الاتفاق إلى الكونغرس، وترك للمشرّعين مهلة 90 يوماً للاعتراض أو لإقرار الاتفاقية. وقال “إن الاتفاق برمّته مشروط بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، والاعتراف بإسرائيل”. إلا أن الرياض سرعان ما رفضت هذه المعادلة. كما رفضت السير بأي اتفاق يقيّدها بشروط تتناقض مع قناعاتها ودورها في العالمين العربي والإسلامي.

وكشفت شبكة “بي بي سي” البريطانية النقاب، عن أن الاتفاق المؤلف من 72 صفحة لا يتضمن أي إشارة إلى إلزام السعودية بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أو الاعتراف بـ”إسرائيل”. كما أبقى رسمياً الباب مفتوحاً أمام تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تصل إلى 20 في المئة، وإن كان ذلك بشروط وعلى مراحل. ولم يلزم السعودية بالانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي زحمة المفاوضات الناشطة لتدوير الزوايا الحادة التي كانت لا تزال عالقة في الاتفاق، بادرت المملكة في السابع من آب إلى إبرام “اتفاق مكة” مع كل من تركيا وباكستان.

أحدث “المحور الجديد” دوياً هائلاً في أوساط دوائر القرار الأميركية. وبينما قابله ترامب بكلمات معسولة طافحة بالرياء، رسمت الدوائر المحيطة به أكثر من علامة استفهام حول أبعاد وخلفيات “الردع المشترك”، و”الأمن الجماعي”، و”التعاون الدفاعي” الذي تضمنه الاتفاق، وهي قواعد يصار إلى البناء عليها لتمكين بعض الدول من التخلّي عن “الأمن المستعار”.

وظهرت البوادر الأولى للامتعاض الأميركي من خلال ما نقله موقع “إكسيوس” الإخباري عن اتصالين أجراهما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، طالباً من ترامب التدخل عسكرياً لمنع “الحوثي” من الوصول إلى باب المندب، لكن التجاوب لم يكن على قدر التوقعات، واقتصر على الدعم المخابراتي وبعض المسائل اللوجستية.

وترك التغاضي الأميركي عن “الزحف الحوثي” علامات استفهام كبيرة، ليس في الوسط السعودي ـ الخليجي، بل على مستوى الدول الكبرى النافذة والمعنية بالتطورات المحيطة بالمضائق وحركة الناقلات.

واعتبر البريطانيون أن ما يجري لا يرتبط بـ”الفتور” الذي يشوب العلاقات السعودية ـ الأميركية، بل بالتسوية الكبرى التي يحيكها الإيراني مع الأميركي باحترافية دقيقة وشاملة، وهذا ما كوّن عنصراً إضافياً دفع بالمملكة إلى الخشية من المياه التي تنساب من تحت قدميها، من دون أن يكون لها الدور الفاعل، والرأي السديد، والكلمة المسموعة في أي اتفاق إيراني ـ أميركي ينهي الحرب في الشرق الأوسط.

وما زاد من الريبة والحذر الاتصال الذي جرى بين الرئيس نبيه برّي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والذي عزّز الانطباع بإمكانية التوصل إلى اتفاق متكافئ بين واشنطن وطهران، يكون للبنان، والجنوب تحديداً، ما عجز عن تحقيقه “اتفاق الإطار”، والمفاوضات المباشرة مع الكيان الإسرائيلي المحتل.

وحاول قائد المنطقة العسكرية الأميركية الوسطى “سنتكوم” الأدميرال براد كوبر، في الرياض، التخفيف من وطأة التحولات في المنطقة بعد التمادي “الحوثي” في توجيه صواريخه ومسيّراته ضد أهداف سعودية حيوية ومدنية. إلا أن محادثاته مع بن سلمان لم تحدث ضجة إيجابية واسعة، ولم ترسم دوائر كبرى على سطح العلاقات الثنائية الهامدة، والدليل أنه دخل من الباب الضيق، ولم يخرج من الباب الواسع، خصوصاً أن الخطوة التي تلت محادثاته كانت زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة، حيث أجرى محادثات معمّقة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تمحورت حول بندين رئيسيين:

تمهيد الطريق أمام احتمال انضمام مصر إلى “حلف مكة الثلاثي”، بحيث يصبح رباعياً، ويؤمّن غطاءً عربياً شرعياً له.

ومشاركة مصر في قوة بحرية إلى جانب “قوات التحالف”، لضمان الأمن في البحر الأحمر، وباب المندب، وسائر المضائق التي تعبرها ناقلات النفط، وسائر السلع.

ولم تكن واشنطن مرحّبة بهذا التحرك. ووصفت ما يجري من انفتاح سعودي ـ تركي ـ مصري، وكأنه بداية التفاف على دورها في الخليج، خصوصاً بعد الزيارة المثمرة التي قام بها بن سلمان إلى باريس، والتي كانت وارفة بتوقيع اتفاقيات عدة تؤكد عمق الشراكة والتعاون لصياغة مقاربة جديدة لأحداث المنطقة، وتطوراتها، والمتغيّرات التي تدهم دولها وشعوبها، والمستقبل الذي لا يزال محفوفاً بالكثير من علامات الاستفهام حول ملامح “الصفقة الأميركية ـ الإيرانية” التي ـ في حال إنجازها في المستقبل القريب ـ ستغيّر الكثير من خرائط التحالفات، وعلى قاعدة “ما بعد الحرب ليس كما قبلها”.

وعلى الرغم من نظرة الازدراء الأميركية لفرنسا، تبقى الأخيرة واحدة من الدول الكبرى النووية النافذة في الأمم المتحدة، وصاحبة تاريخ، ودور، وحضور في دهاليز المنطقة وشعابها.

وسواء لاحت في فجر الأفق ملامح “صفقة”، أو “تسوية” كبرى، فإن قصف خط الأنابيب “شرق ـ غرب” ـ كما يقول دبلوماسي عربي مخضرم ـ لن يثني السعودية، من خلال علاقاتها المميّزة مع “الشرق ـ الغرب”، عن أن تكون حجر الزاوية في أي بناء أميركي ـ إيراني يهدف إلى تمزيق صفحات الحرب من كتاب المنطقة.

شريط الأحداث