ترتبط “الصورة الذهنية” الشائعة عن الحوثيين في اليمن، برجال يعتلون شاحنات صغيرة ويطلقون نيران بنادق كلاشينكوف “إي كي 47” في الصحراء، ومع ذلك، فقد شنت الجماعة هجمات صاروخية بعيدة المدى استهدفت “إسرائيل”، التي تبعد أكثر من ألف ميل، كما يستهدف الحوثيون حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر باستخدام مسيّرات بحرية.
وتشير الأدلة إلى طموحهم المتزايد لاستخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل أخرى لإنتاج أسلحة أكثر تطوراً بأنفسهم، مما يقلل من اعتمادهم على داعميهم في إيران، وفق ما تقول صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها.
ورغم تلقيهم الدعم من إيران، ظل الحوثيون لعدة أشهر بمنأى عن القتال الدائر في المنطقة هذا العام. لكن هذا الوضع تغير في شهر تموز/ يوليو، حين أعلنوا فرض حصار بحري على السعودية. ومنذ ذلك الحين، تقدمت قواتهم نحو الجنوب، حيث استولت الأسبوع الماضي على مدينة المخا الساحلية التاريخية وسيطرت على جزر قريبة من مضيق باب المندب، مما عزّز قبضتهم على هذه النقطة الاستراتيجية الحساسة عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر.
وقال تيموثي أ. ليندركينغ، المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى اليمن، خلال حديثه في منتدى نظمه “معهد الشرق الأوسط” يوم الجمعة: “إنهم يستغلون كل فرصة لبناء قدراتهم واختبارها، لدرجة أنهم أصبحوا الآن الجهة الفاعلة غير الحكومية الأكثر فتكاً في منطقة الشرق الأوسط بأكملها”.
وأشار تقرير أصدرته شركة “أنثروبيك” الأسبوع الماضي حول إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي إلى أن “خلية من الجهات الفاعلة التي تشكل تهديداً”، وتتخذ من شمال اليمن مقراً لها – وهي المنطقة التي تعد معقلاً للحوثيين ـ قد استخدمت نموذج “كلود” في “جهد مستمر لتطوير أسلحة موجهة”. ورغم تدابير الحماية التي تفرضها “أنثروبيك”، ذكرت الشركة أن الخلية تمكنت من المضي قدماً في مساعيها حتى مرحلة إجراء تجربة إطلاق صاروخ موجه.
ولا يزال الحوثيون يعتمدون على داعميهم الإيرانيين للحصول على المكونات الأكثر تعقيداً لمسيّراتهم وصواريخهم الباليستية، ولكن – كما أشار تقرير “أنثروبيك”- فقد حققوا في السنوات الأخيرة تقدماً كبيراً في بناء أنظمة أسلحة خاصة بهم.
لقد منح هذا الأمر الحوثيين مرونة أكبر لمواصلة القتال ضد خصومهم اليمنيين والسعوديين، ومهاجمة حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وتهديد أهداف إسرائيلية وأميركية، حتى في ظل الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية منذ أشهر على مضيق هرمز. وكان الحوثيون ومستشاروهم الإيرانيون يجرون تجارب على الزوارق السطحية غير المأهولة منذ عقد من الزمان، إذ استخدمت الجماعة المسلحة زورقاً موجهاً عن بعد ومحملاً بالمتفجرات لمهاجمة فرقاطة سعودية في عام 2017، مما أسفر عن مقتل شخصين. وبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء عام 2014، قادت السعودية تحالفاً عسكرياً لدعم الحكومة اليمنية ومحاربة المسلحين. ورغم إعلان وقف إطلاق النار في عام 2022، يرى خبراء أن الجماعة استغلت السنوات الفاصلة لتطوير قدراتها بشكل هائل.
وقال ليندركينغ إن الهدنة منحت الحوثيين وقتاً “لإعادة تنظيم الصفوف، وإعادة التدريب، وتجديد العتاد، وتكديس الإمدادات”.
وفي هذا السياق، قال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا والذي درس عن كثب عمليات تصنيع الأسلحة لدى الحوثيين: “لقد تزايدت بشكل هائل كميات البضائع التي تنقل إلى اليمن لتصنيع الأسلحة، وكذلك عدد المسارات المستخدمة، وذلك عقب الإعلان عن الهدنة في اليمن عام 2022”.
وقالت الصحيفة إن اليمن كان في البداية، بمثابة مختبر لمساعي إيران الحربية، لكنه تحول بشكل متزايد إلى مصنع أيضاً؛ حيث أشار سالزبري إلى أن الأجزاء الكبيرة، مثل هياكل الصواريخ، تصنع الآن في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين بدلاً من شحنها من إيران.
وأضاف سالزبري: “لقد استثمرت إيران وحزب الله بكثافة في مواصلة رفع كفاءة الحوثيين في تصنيع الأسلحة واستخدامها. وباتوا قادرين بشكل متزايد على توطين إنتاج العديد من المعدات، مثل المسيّرات الانتحارية (أحادية الاتجاه)”.
ووفقاً لفرزين نديمي، الباحث البارز في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، فإن قطاع الصناعات الدفاعية الإيراني يخصص مكاتب تصميم ومصانع لإنتاج أنظمة أسلحة مصممة خصيصاً لـ”القوات الوكيلة” ـ مثل الحوثيين ـ بحيث تكون “بسيطة التجميع، وسهلة النقل، وسهلة التحضير للإطلاق، وسهلة الاستخدام”.
وقد شجع الإيرانيون الحوثيين على تطوير سلاسل توريد إضافية للحصول على المكونات من أماكن مثل الصين، التي تُورّد مصانعها العديد من أجزاء المسيّرات المستخدمة حول العالم.
ويقول كيفن دونيغان، القائد السابق للأسطول الخامس الأميركي، الذي شملت منطقة مسؤوليته الخليج والبحر الأحمر، وكان قد أسس أول خلية لدمج المعلومات الاستخباراتية لدراسة الدعم الإيراني للحوثيين: “هناك الكثير مما لم يعد الحوثيون بحاجة إليه، والسبب في ذلك هو قدرتهم على استخدام سلاسل توريد السوق السوداء العالمية للحصول على معظم احتياجاتهم”.
ويضيف دونيغان: “لكنهم لا يزالون بحاجة إلى مكونات رئيسية، لا سيما تلك الخاصة بالصواريخ لضمان فعاليتها. وهم يمتلكون مسارات تهريب سرية قادرة على جلب هذه المكونات نظراً لأنها ليست قطعا ضخمة الحجم”.
ويشير سالزبري إلى أن هذه المكونات قد تشمل أنظمة التوجيه، ومحركات الصواريخ، وأطراف الأجنحة والزعانف التي تتطلب مستوى عالياً من الهندسة الدقيقة.
وفي حين يركز الحصار الذي تفرضه البحرية الأميركية على سفن الحاويات وناقلات النفط الكبيرة، يمكن تهريب المكونات الأصغر حجماً عبر سفن متوسطة الحجم، مثل سفن “الداو” (المراكب الشراعية التقليدية) التي تجوب مياه المنطقة. ويمكن إرسال الشحنات مباشرة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن، أو نقلها عبر منطقة القرن الأفريقي، أو حتى نقلها من سفينة إلى أخرى في المياه قبالة سواحل الصومال. ويصف سالزبري هذا الوضع بأنه “لعبة خداع كبرى” (تشبه لعبة الاحتيال بورق اللعب المعروفة باسم “ثلاث أوراق مونتي)”.
وقالت الصحيفة إن تزايد الاعتماد على الذات لا يعني بالضرورة الاستقلال التام عن الجهات الراعية لهم في “الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني. ويقول نديمي: “أعتقد أنهم لا يزالون بحاجة ماسة إلى الكثير من المساعدة من الحرس الثوري”. كما أعرب عن اعتقاده بوجود “أعداد كبيرة” من ضباط الحرس الثوري يشاركون في تخطيط وتنفيذ المرحلة الحالية من القتال في اليمن.
وقد تفسر الحاجة إلى المستشارين الإيرانيين والمكونات الأكثر تطوراً الكيفية التي اندلع بها القتال المتجدد في اليمن هذا الصيف في المقام الأول.
وكان وفد حوثي قد سافر إلى طهران في شهر تموز/ يوليو لحضور مراسم جنازة المرشد الأعلى الإيراني، السيد علي خامنئي. بعد ذلك، استقلوا رحلة جوية للعودة إلى صنعاء على متن طائرة تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية، وهي شركة تخضع لعقوبات فرضتها الحكومة الأميركية.
وتعتقد السعودية والحكومة اليمنية أن الطائرة كانت تنقل أفراداً عسكريين وأسلحة إيرانية. وعندما حالت الغارات الجوية دون هبوط الطائرة في مطار صنعاء الدولي، غيرت الرحلة مسارها وتمكنت من الهبوط في موقع آخر داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وعقب ذلك، شن الحوثيون هجمات انتقامية استهدفت مطار أبها الدولي في جنوب السعودية. وكان هذا أول هجوم يشنه الحوثيون على السعودية منذ عام 2022، مما عبّد الطريق لمرحلة جديدة وغير متوقعة من القتال ضد خصم أمضى سنوات في التخطيط وتطوير تكتيكاته وتقنياته.
وإذا كان تقرير شركة “أنثروبيك دقيقاً، فإن المجموعة التي كانت تستخدم نموذج “كلود” في شمال اليمن حاولت تطوير صاروخ باليستي متعدد المراحل يبلغ مداه أكثر من 1,200 ميلا، بالإضافة إلى مركبة انزلاقية [رأس صاروخ] فرط صوتية. وقد حرص مصممو الأسلحة المحتملون على الالتفاف على تدابير الحماية التي تفرضها الشركة، حيث أخفوا الغرض الحقيقي من أنظمة التوجيه التي كانوا يصممونها عن النظام ذاته الذي كان يساعدهم في عملية التصميم.
وذكرت “أنثروبيك” أنه لا يوجد دليل على نجاحهم في “إنتاج جهاز قابل للتشغيل الميداني”. وقد استفسر المستخدمون من أداة “كلود كود” عن سبب فشل اختبارهم الميداني. ومع ذلك، أشار التقرير إلى وجود أدلة تفيد بأن هؤلاء الأطراف كانوا قد أعدوا بالفعل مجموعة أدوات للمحاكاة تعمل دون اتصال بالإنترنت ولا تعتمد على نموذج “كلود” [للذكاء الاصطناعي].
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أنهم سيواصلون العمل على تعزيز قدراتهم.
وقال ليندركينغ، المبعوث الأميركي السابق: “ضعوا في اعتباركم أن الحوثيين دائمو الحركة والتنقل، وهم يتمتعون بروح مبادرة عالية للغاية”.


