الرئيسيةشريط الاحداثتصعيد متسارع في اليمن.. باب المندب تحت سيطرة "الحوثيين"

تصعيد متسارع في اليمن.. باب المندب تحت سيطرة “الحوثيين”

دخلت الحرب في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع تحقيق الحوثيين تقدماً سريعاً على الساحل الغربي للبلاد ووصولهم إلى مناطق استراتيجية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، في تطور يعيد فتح واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الصراع اليمني.

وفي أحدث التطورات، وصل الحوثيون إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، الواقعة في مضيق باب المندب، بالتزامن مع وصول قواتهم إلى بلدة ذُباب الساحلية المقابلة للجزيرة على البر اليمني. وأفادت مصادر في الحكومة اليمنية بأن القوات الحكومية انسحبت من الجزيرة، فيما أكدت مصادر حوثية السيطرة عليها.

ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية نظراً إلى الموقع الجغرافي لميون، التي تقع داخل باب المندب وتقسم المضيق إلى ممرين ملاحيين، فيما تقع ذُباب مباشرة على مدخله. وبذلك بات الحوثيون في موقع متقدم جداً يسمح لهم بالتأثير في حركة الملاحة عبر واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

 

من المخا إلى باب المندب.. كيف توسع التقدم؟

التطورات الحالية جاءت بعد عملية عسكرية سريعة على الساحل الغربي بدأت بالتوسع خلال الأيام الماضية.

ففي 10 أيلول، أعلنت حركة “أنصار الله” سيطرتها على مدينة المخا الساحلية، وهي مدينة استراتيجية تقع إلى الشمال من باب المندب، وتمثل نقطة مهمة على الطريق الساحلي وفي شبكة المواصلات بين تعز والمناطق الجنوبية من الساحل الغربي. كما تقدمت قواتهم باتجاه جزر حنيش، ما عزز موقعها في مواجهة خطوط الملاحة في البحر الأحمر.

ومع الوصول إلى ذُباب وميون، انتقل التقدم من السيطرة على مدينة ساحلية مهمة إلى الاقتراب المباشر من المضيق نفسه

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن السيطرة الميدانية أصبحت تشمل، بحسب “رويترز”، المخا وميون وذُباب، إضافة إلى مواقع وجزر في البحر الأحمر، فيما لا تزال طبيعة السيطرة على بعض المناطق الساحلية الأخرى موضع تطور ميداني سريع.

وفي المقابل، تستعد القوات التابعة للحكومة اليمنية لمحاولة استعادة المناطق التي خسرتها، مع الحديث عن تحرك عسكري لاستعادة المخا والجزر الواقعة قبالة الساحل الغربي. كما أصدرت القيادة العسكرية تحذيرات للمدنيين من استخدام الطريق بين تعز والمخا، في ظل استمرار التحركات العسكرية في المنطقة.

 

ماذا يعني الوصول إلى باب المندب؟

تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أن المعركة لم تعد محصورة في تغيير خطوط السيطرة داخل اليمن، بل باتت مرتبطة مباشرة بأحد أهم الممرات التجارية في العالم.

مضيق باب المندب، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقاطه نحو 29 كيلومتراً، يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس. وتمر عبره حركة تجارية ونفطية كبيرة بين آسيا وأوروبا، فيما يؤدي تعطيل الملاحة فيه إلى إجبار السفن على سلوك طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، بما يضيف أسابيع إلى الرحلات ويرفع كلفة النقل والتأمين.

وتشير بيانات نقلتها “رويترز” إلى أن كميات النفط التي عبرت باب المندب بلغت في حزيران نحو 7% من الإنتاج النفطي العالمي، ما يعطي أي تصعيد حول المضيق انعكاسات تتجاوز اليمن إلى أسواق الطاقة العالمية.

وتزداد حساسية الموقع في ظل الأزمة القائمة أصلاً حول مضيق هرمز. إذ إن تراجع حركة النفط عبر هرمز، بالتزامن مع تصاعد المخاطر في باب المندب، يعني أن ممرين أساسيين للطاقة في المنطقة أصبحا عرضة لضغوط متزامنة.

 

السعودية أمام معادلة أكثر تعقيداً

التطورات الأخيرة تضع السعودية أمام تحدٍّ جديد، خصوصاً أن المملكة تعتمد بشكل أكبر على طرق التصدير عبر البحر الأحمر بعدما تراجعت حركة النفط عبر مضيق هرمز.

وبحسب رويترز، انخفضت إمدادات النفط السعودية في آب بمقدار 2.3 مليون برميل يومياً على أساس شهري إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة عقود، في وقت ساهمت فيه المخاطر على حركة السفن عبر باب المندب في الضغط على صادرات الطاقة.

ومع توسع سيطرة الحوثيين باتجاه المضيق، يصبح الطريق البحري الغربي أكثر حساسية بالنسبة إلى الرياض، خصوصاً في ظل إعلان الحوثيين إجراءات تستهدف السفن السعودية في البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفق مصادر نقلتها رويترز، مساعدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة التصعيد الحوثي، لكن واشنطن لم تبد استعداداً للتدخل العسكري المباشر في الوقت الراهن، مع الإشارة إلى استمرار التعاون في مجال تبادل المعلومات والاستهداف.

 

النفط والأسواق في دائرة التأثير

ولم يتأخر انعكاس التطورات على الأسواق. فقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، مع استمرار المخاوف من اتساع نطاق الاضطرابات التي تطال ممرات الطاقة الرئيسية في المنطقة.

وتزداد المخاطر في حال تحولت السيطرة الميدانية على المواقع المحاذية لباب المندب إلى قدرة فعلية على تعطيل حركة السفن أو فرض إجراءات على شركات الملاحة. فقد سبق أن دفعت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر منذ عام 2023 عدداً كبيراً من شركات الشحن والطاقة إلى تغيير مساراتها والدوران حول أفريقيا، ما أدى إلى ارتفاع كلفة النقل والتأمين وإطالة مدة الرحلات.

 

عودة الحرب اليمنية إلى مرحلة أوسع؟

التطورات الأخيرة تعني عملياً أن الهدوء النسبي الذي ساد الجبهات اليمنية خلال السنوات الماضية أصبح مهدداً بصورة جدية.

فالحوثيون يسيطرون أصلاً على صنعاء ومساحات واسعة من شمال اليمن، بينما تتمركز الحكومة المعترف بها دولياً في عدن وتنتشر قواتها وحلفاؤها في مناطق متفرقة من الجنوب والشرق والساحل الغربي. ويعاني المعسكر المناهض للحوثيين بدوره من تعدد القوى والانقسامات السياسية والعسكرية بين الحكومة والقوى المحلية المختلفة.

أما التطور الأخطر في المرحلة الحالية، فهو انتقال المعارك إلى منطقة الساحل الغربي وباب المندب، بما يجعل أي توسع إضافي للحوثيين ذا أبعاد تتجاوز خريطة السيطرة الداخلية في اليمن.

وبذلك، لم تعد المعركة تدور فقط حول مدينة أو جبهة جديدة، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في بوابة البحر الأحمر الجنوبية.

وفي حال تمكن الحوثيون من تثبيت وجودهم في المخا وذُباب وميون والجزر المحيطة، فإنهم سيكونون قد انتقلوا من امتلاك نفوذ واسع على الساحل الغربي إلى موقع يمنحهم قدرة أكبر على تهديد الملاحة في باب المندب، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية إعادة تنظيم صفوفها والتحضير لهجوم مضاد.

وهنا تصبح الأسابيع المقبلة حاسمة، فإما أن تنجح القوات الحكومية وحلفاؤها في استعادة المناطق التي خسرتها ومنع تحول التقدم الحوثي إلى واقع ثابت، أو أن تتحول السيطرة الجديدة على الساحل وباب المندب إلى معادلة عسكرية وسياسية جديدة في اليمن، مع تداعيات مباشرة على السعودية والبحر الأحمر وأسواق النفط والتجارة العالمية.

شريط الأحداث