| خلود شحادة |
في جلسةٍ غلب عليها في كثير من مداخلاتها الخطاب السياسي والمزايدات الحزبية والطائفية، برزت مداخلة النائبة حليمة قعقور بنبرة مختلفة، ليس لأنها ابتعدت عن الملفات الأكثر حساسية في النقاش، بل لأنها تناولتها من زاوية تتجاوز الاصطفاف الطائفي والحزبي التقليدي، وتضع الدولة والسيادة والمواطنة في قلب النقاش.
لعبت قعقور دورها الحقيقي، من النقطة التي أوصلتها للمجلس النيابي، أنها نائب تغييري، لا يتأثر بسلطة كائناً من كانت، حكومة أم رئاسة، ودورها التشريعي في مجلس النواب رقابي بحت، لا يمكن أن يتحوّل يوماً إلى “مطبّل”، فقط “جكارة بالطهارة”.
قعقور كانت واضحة في موقفها من حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، لكنها لم تطرح حصرية السلاح كعنوان لتجريد لبنان من عناصر قوته، بل ربطتها بضرورة وجود جيش قوي وقادر على حماية البلد. وهي مع مبدأ أن يكون القرار للدولة، لكن الدولة التي تريد أن تحتكر القرار لا يمكن أن تكون دولة ضعيفة أو عاجزة عن الدفاع عن أرضها وشعبها.
لم تأتِ على ذكر ضرورة حصر السلاح من باب المزايدات السياسية، بل دخلت إليه من باب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، التي توجب وضع خطة دفاعية لمواجهة هذا الخطر الداهم والدائم.
وفي الملف الأكثر حساسية، أي التفاوض، رفعت قعقور سقف موقفها بالقول: “ممنوع إيران تفاوض عنّا، نحن نفاوض”، ولكن ليس عبر “اتفاق الإطار” الذي جرّدنا من حقوقنا “مش هيك بكون التفاوض يا دولة الرئيس..يا عيب الشوم على هيك اتفاق”.
ولم تكتفِ برفض الاتفاق سياسياً، بل بنت اعتراضها على أساس ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري، معتبرة أن السلطة أفسدت في المفاوضات ما نصّ عليه هذان المرجعان، وأنه كان يفترض الالتزام بهما قبل الذهاب إلى التفاوض.
وفنّدت قعقور كل الاتفاق، وأهم نقطتين فيه هما حق لبنان بمقاضاة “إسرائيل” بجرائم الحرب التي ارتكبتها في لبنان، وحق لبنان بالدفاع عن نفسه، وهما حقان تنازل لبنان عنهما في هذا الاتفاق، متسائلة إن كان هناك في الفريق المفاوض من “يفهم” بالقانون، لأن هذا الاتفاق خرج عن كل أطر القوانين الدولية.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط مداخلتها، فهي لم تتعامل مع التفاوض باعتباره مجرد موقف سياسي أو اصطفاف مع هذا المحور أو ذاك، بل حاولت مقاربته من زاوية الدولة ومرجعياتها الدستورية والسياسية، ومن السؤال عن الحدود التي يجب ألا تتجاوزها أي سلطة حين تفاوض باسم لبنان.
كما أن خطابها لم يذهب إلى المقاربة التي تختزل النقاش في ثنائية “مع السلاح أو ضده”. فالمعادلة التي طرحتها أكثر تعقيداً: حصرية القرار للدولة، نعم، لكن مع دولة قادرة، وجيش قوي، وسيادة لا تتحول إلى عنوان شكلي يُطلب من اللبنانيين القبول به بينما يبقى البلد مكشوفاً أمام الاعتداءات.
واللافت أيضاً أن قعقور خرجت في حديثها من القاموس الطائفي الذي غالباً ما يطغى على النقاشات المرتبطة بالسلاح والعلاقة مع الخارج. وفي عبارة “نحن كلنا شيعة عندما يُضرب الشيعي”، وضعت المسألة في إطار التضامن الوطني، لا في إطار الانتماء الطائفي. وهي مقاربة تحاول نقل النقاش من سؤال “من يمثل الطائفة؟” إلى سؤال كيف تحمي الدولة جميع مواطنيها؟
ومن هنا، بدا خطابها متخطياً للطائفية في جوهره، لا عبر تجاهل الانقسامات الموجودة في البلد، بل عبر رفض تحويلها إلى قاعدة لتحديد الحقوق والحماية والواجبات. فحين تصبح حماية المواطن مرتبطة بانتمائه الطائفي أو بمنطقته، يصبح ذلك نقيضاً لفكرة الدولة والمواطنة المتساوية.
وعن قرار وزارة الخارجية المتعلق بالسفير الإيراني، وهي التي رحبت به، تساءلت قعقور ما إذا كانت الحكومة اللبنانية تتجرأ على اتخاذ قرار مماثل، أو على الأقل إدانة تصريح السفير الأميركي الذي اعتبر أن لـ”إسرائيل” الحق برد الضربة بـ10، قائلة: “أو سيادة بسمنة وسيادة بزيت؟”.
مداخلة، أقرب إلى خطاب سياسي وطني منه إلى خطاب حزبي انتخابي. ففي الوقت الذي انشغلت فيه مداخلات أخرى بتثبيت مواقع القوى السياسية وتكرار عناوين الاصطفاف، حاولت قعقور أن تضع مجموعة من القضايا في إطار واحد: السيادة، حصرية القرار، قوة الجيش، التفاوض، المساواة، ورفض التمييز الطائفي والمناطقي.
وسط جلسة طغت عليها في كثير من الأحيان الحسابات السياسية، بدت مداخلة قعقور محاولة لإعادة النقاش إلى مكان يفترض أن يكون طبيعياً داخل مجلس النواب: مناقشة شكل الدولة التي يريدها اللبنانيون، لا مجرد تسجيل نقاط في سجال بين القوى السياسية.


