| خلود شحادة |
حين تتحول جلسة مساءلة الحكومة إلى سباق على رفع سقف الخطاب، يصبح السؤال مشروعاً من كان يُساءَل فعلاً في ساحة النجمة، الحكومة أم الناخب؟!
في اليوم الثاني من جلسة مناقشة الحكومة، لم تبدُ الصورة مختلفة كثيراً عن اليوم الأول. مداخلات تتوالى، شعارات كبيرة تُرفع، عبارات رنانة تتكرر، وسجالات سياسية تأخذ من وقت الجلسة ومساحتها أكثر مما يأخذها السؤال الفعلي عن أداء الحكومة ونتائجها، والتي حملت اسم “حكومة نحو الانقاذ”، وما الذي تغيّر فعلياً في حياة اللبنانيين.
ومنذ اليوم الأول، كانت المؤشرات واضحة. سجالات حول السلاح، وحصرية القرار، واتفاق الإطار، والخيارات الإقليمية، وانقسامات حادة بين الكتل، وصولاً إلى اشتباكات كلامية بين النواب. وقد وثقت التغطيات سلسلة من هذه السجالات، بينها سجال علي عمار وأشرف ريفي، وآخر حول مواقف زياد حواط، إضافة إلى مداخلات ركزت على موقع لبنان في الصراع الإقليمي أكثر من تفاصيل العمل الحكومي اليومي.
المشكلة ليست في مناقشة ملف حصرية السلاح، المشكلة الحقيقية أن نقفز فوق حاجات اللبنانيين، وانعدام القدرة المعيشية، و”التطبيل” للحكومة على حساب الإصلاحات الحقيقية فقط من أجل “المزايدة” على الأطراف السياسية الأخرى.
وفي اليوم الثاني، لم تخرج الصورة كثيراً عن هذا المسار.. كلها مواقف سياسية، وكلها تحمل عناوين كبرى. لكن أين المواطن من كل ذلك؟
أين العامل الذي ينتظر راتبه ولا يعرف كيف يؤمّن كلفة الشهر؟ أين موظف القطاع العام الذي لم تعد الزيادة التي يحصل عليها توازي ارتفاع الأسعار؟ أين المتقاعد؟ أين المريض الذي يواجه كلفة الاستشفاء؟ أين الطالب الذي يدخل عاماً دراسياً جديداً في ظل أزمة التعليم الرسمي؟ أين المواطن الذي يدفع فاتورتي كهرباء واتصالات ويبحث عن أبسط مقومات الخدمة؟ وأين الأسئلة التفصيلية التي يفترض أن تُطرح على كل وزير حول ما أنجزه، وما أخفق فيه، وما هي المواعيد التي يلتزم بها؟
فالمواطن لا يحتاج إلى سماع خطاب حزبه داخل مجلس النواب. يستطيع أن يسمعه في المؤتمرات الصحافية، وفي المهرجانات، وعلى الشاشات، وفي البيانات الحزبية وعلى مواقع التواصل. ما يحتاجه المواطن من النائب هو أن يحوّل وجعه إلى سؤال مباشر للحكومة: ماذا فعلتم؟ لماذا لم تفعلوا؟ كم أنجزتم؟ ما هي المهل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
لكن ما يحصل في كثير من المداخلات، يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج الخطاب السياسي نفسه تحت قبة البرلمان.
حتى المواقف التي ترفع شعار “المحاسبة” لا تنفصل في كثير من الأحيان عن الاصطفاف السياسي. فالنائب الذي يدعم الحكومة يشرح لماذا ينبغي أن تستمر، والنائب المعارض يشرح لماذا أخفقت، ونائب ثالث يحوّل المنبر إلى مساحة لتأكيد موقف كتلته من السلاح أو التفاوض أو العلاقة بالخارج. وفي النهاية، يصبح المواطن متفرجاً على “مبارزة” بين القوى السياسية، لا طرفاً حقيقياً في عملية المساءلة.
وفي المقلب الآخر، لم تغِب محاولات بعض النواب الداعمين للحكومة عن المشهد، إذ بدا أن جزءاً من المداخلات اتجه إلى الدفاع عن الحكومة وتبرير أدائها، في ظل إدراك واضح لحجم الضغط الذي بات يحيط بها.
الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لم تعد تسمح للقوى السياسية بالتعامل مع الانتقادات وكأنها مجرد سجالات نيابية عابرة، بعدما تراكمت الاعتراضات وازدادت النقمة الشعبية على واقع الخدمات والأسعار والقدرة الشرائية وأوضاع الموظفين والعاملين في القطاع العام.
وبدل أن تتحول هذه النقمة إلى مادة لمساءلة أكثر صرامة، بدا أن بعض الخطابات انشغل بتوفير مظلة سياسية للحكومة، عبر التذكير بحجم الأزمات الموروثة والظروف التي تسلّمت فيها السلطة مسؤولياتها. وكأن المطلوب في لحظة تصاعد الغضب الشعبي هو حماية الحكومة من تداعيات الواقع، لا وضعها أمام “كشف حساب” واضح.
لكن الدفاع عن الحكومة اليوم، لم يعد مجرد موقف سياسي، بل أصبح يحمل كلفة أمام جمهور يعيش الأزمة نفسها. وكلما اتسعت دائرة النقمة، يصبح النائب أمام معادلة أكثر تعقيداً، كيف يحافظ على دعمه للحكومة، من دون أن يبدو منفصلاً عن وجع الناس أو متجاهلاً حجم الاعتراضات المتراكمة؟ وهنا جاءت حفلة زجل من المزايدات لتضييع البوصلة!
ولذلك، فإن بعض المداخلات التي بدت وكأنها محاولة لحماية الحكومة قد تكون في حد ذاتها مؤشراً إلى حجم المأزق الذي وصلت إليه. فالحكومة التي تحتاج إلى تدخل حلفائها للدفاع عن أدائها في مواجهة نقمة شعبية متزايدة، لم تعد تواجه فقط معارضة نيابية، بل تواجه أيضاً سؤالاً أكثر صعوبة: هل لا يزال الغطاء السياسي قادراً على امتصاص غضب الشارع؟
ولعل الأخطر أن هذا النوع من الخطاب يزداد اقتراباً من الخطاب الانتخابي. فكل نائب يعرف أن الكاميرات موجودة، وأن كلمته ستخرج من قاعة المجلس إلى جمهوره مباشرة، وأن رفع السقف السياسي قد يكون أكثر قدرة على جذب الانتباه من الدخول في تفاصيل مملة لكنها أكثر أهمية، وهذا ربما من أسوأ نتائج الجلسات العلنية.
المساءلة الحقيقية لا تحتاج إلى الشعارات. تحتاج إلى أرقام، وتواريخ، وملفات، وأسئلة محددة، وإجابات يمكن للناس أن يحاسبوا الحكومة عليها لاحقاً.
أن تتحدث عن الدولة، لا يكفي. المطلوب أن تُسأل عن مؤسساتها، وإداراتها، وخدماتها، واستقلاليتها، وقدرتها على حماية المواطن وتطبيق القانون.
أن تعبر عن فرحتك أن الدولة حاضرة لأنها واجهت سفير دولة ما، لا يكفي. أين الدولة في الشيخوخة والتغطية الصحية وبدل التقاعد؟
وأن ترفع شعار السيادة لا يكفي أيضاً، إذا لم يترافق ذلك مع أسئلة واضحة حول الأمن، والحدود، والاحتلال، والنازحين، والجنوب، وقدرة الدولة على حماية أهلها.
لا مشكلة أن هناك من يرفض السلاح خارج الدولة، ولكن عشرات المجازر والدمار والتنكيل بأهل الجنوب، لم يستفزوا هؤلاء لإدانة “إسرائيل”؟!
وبينما كانت القاعة تضج بالشعارات والسجالات، كان خارجها لبنان آخر. لبنان الذي لا يعنيه كثيراً من ربح السجال، بل من سيؤمّن له الكهرباء، ومن سيحمي راتبه، ومن سيعيد إليه وديعته، ومن سيضبط الأسعار، ومن سيؤمّن مدرسة رسمية لائقة، ومن سيضمن مستشفى يستطيع دخوله من دون أن يبيع ما تبقى من مدخراته، ومن سيعيده إلى الجنوب ويكفل إعادة الإعمار؟!
ولكن الجلسة كان فيها “كل نائب يغني على ليلاه”، يخرج منها وقد سجّل موقفاً لحزبه وجمهوره، بينما يبقى المواطن ينتظر جواباً عن أبسط أسئلته.
وبعد يومين من الكلام، يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر قسوة: ماذا تغيّر فعلياً بالنسبة إلى اللبناني الذي كان ينتظر من مجلس النواب أن ينقل وجعه إلى الحكومة؟
إذا كان الجواب لا شيء، تكون جلسة المساءلة قد نجحت في شيء واحد فقط: نقلت صراعات السياسة إلى داخل المجلس، من دون أن تنقل وجع الناس معه.


