الرئيسيةSliderهل يعود "بعض لبنان" قبل فوات الأوان؟

هل يعود “بعض لبنان” قبل فوات الأوان؟

| جورج علم |

… وفي 11 أيلول 2026 سقط برجان لبنانيان: زينة التلال، وزينة الرجال!

وبقي في الميدان “اتفاق الإطار” الذي “طار” وفق حسابات البعض، فيما بقي على “المسار”، وفق حسابات البعض الآخر.

أيّ من “المنجّمين” على حق؟

عذراً. الجواب ليس في بيروت، بل في واشنطن، وتل أبيب، وطهران. وإذا كان هناك من ملحق يضاف، فلا بدّ من ذكر باريس، وبعض عواصم الاتحاد الأوروبي. والرياض، وبعض عواصم دول الخليج الغيورة والمهتمّة.

هناك كلام كثير ينثر فوق “قرميد” بيروت، لكنه من دون وزن، يفتقر إلى الجاذبية، لأنه يفتقر إلى المصداقية. ويبقى كلام السفير الأميركي ميشال عيسى أكثر إثارة ـ وربما فاعليّة ـ لأنه يقارب الأمور من زوايا إقليميّة ودوليّة دفعت بلبنان إلى أن يكون في عين العاصفة، تتلاعب بأشرعته عواصف خارجيّة عاتية تدفع به نحو المجهول. وليس وحده، بل هناك الكثير من الدول صاحبة نفوذ وقرار تتلوى فوق هذا الصفيح الساخن، دون إدراك المخارج والنهايات المحتومة.

ويعود السبب إلى حروب ثلاث تلتهم الأخضر واليابس: تغيير الخرائط والجغرافيات. وتغيير هويّة الاستئثار بمنابع الطاقة، والممرات، وسبل الإمداد. وتغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، وامتداداً منه إلى ساحات العالم الأوسع.

يحاول البعض أن يخفّف من هول الجائحة، فيربط ما يجري باستحقاقين انتخابيين: الأول، في تشرين الأول المقبل في “إسرائيل”. والثاني، في تشرين الثاني في الولايات المتحدة، ولكن من يضمن أن الهدوء والاستقرار سيخيمان بعد إقفال صناديق الاقتراع؟

تبدو الحسابات مختلفة على أرض الواقع، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يريد الشرق الأوسط، تحت مظلّته، خالياً من النفوذ الروسي والصيني والإيراني.

وما يريده رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو رسم حدود “إسرائيل الكبرى” بالحديد والنار، وربما ربح جولة، لكنه أضلّ الطريق، وسيخسر حتماً ما تبقى له من جولات، لأنه فجّر صراع الثقافات والحضارات في المنطقة، وهذا النوع من المواجهات هو الأشد ألماً وإيلاماً، ولن يصل مركبه إلى الشاطئ الذي يريد، وسط هذا اليم الواسع من المعتقدات السائدة.

وما يريده الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هو الحفاظ على النظام. والإرث التاريخي. والهالة المعنويّة. وجغرافية النفوذ والمصالح. وزخم “الثورة” و”العقيدة”.

ووسط هذه التناقضات الكبرى يقبع لبنان في عين العاصفة. ذهب إلى “الإسناد” فعاد بحاجة إلى سند. ذهب إلى المواجهة فدهمته ببرقها ورعدها، وحطّت رحالها عند عتبات بيروت. ذهب إلى المفاوضات بمعيّة الوسيط الأميركي، فأهدته واشنطن “اتفاق الإطار”، لكنه “طار”، كما يقول رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

ويبقى السؤال: ما هو البديل؟

البديل المتوافر، لغاية الآن، عسكري متقاعد يتصاعد دخان دولابه من وسط العاصمة، ومنافذها، والطرق المؤدية إليها، احتجاجاً على الذلّ الذي يعاني منه. ومواطن يلعن النظام الطائفي، وحرّاسه، والقيّمين عليه بعدما فقد مدخراته، وجنى عمره. وشرطي أُلحق بالشارع ليفرض هيبة القانون، وهو فاقد الهبة والهيبة، ولا يجد من ملاذ سوى الاتكاء على حائط شركة، أو “سوبر ماركت”، لعلّ وعسى ما يسدّ الشهيّة، ويشبع الطويّة. ومريض طريح عند عتبات المستشفيات. وشاب نال شهادته، ووضّب حقيبته، وحظي بتأشيرة قد لا تخوّله العودة. ونائب حجز لنفسه 5000 دولار من المال العام، مطلع كل شهر، دون أن ينسى التقديمات، وسائر الإكراميات، وهمّه، جلّ همّه استجواب حكومة ولدت من رحم فراغ عشعش في مؤسسات الدولة على مدى نيف وسنتين. ومن وطن تركه “علي بابا وجماعته” مغارة لصوص استولوا على فلس الأرملة، وأموال الخزينة، ورفعوا الفساد شعاراً، واعتمدوا النكد السياسي مساراً.

والأنكى أن من فعلوا وافتعلوا، ما زالوا صامدين في مراتب المسؤولية بصحة جيدة، ويد طويلة، وابتسامة صفراء على وجوه معفّرة بالرياء. عصمتهم إقطاعية سياسيّة مذهبيّة طائفيّة، ورصيدهم قطعان من المتزلفين المستفيدين.

والمستفزّ في زحمة هذا الواقع المأساوي، التغني بالوحدة الوطنيّة، علماً بأن “الحريصين عليها” يعرفون كل المعرفة بأنها سقطت عند تلّة علي الطاهر، وفي الجنوب المحتل، وفي المصرف النهّاب، وفي نظام “الكل من إيدو إلو”، وفي زواريب المذهبيّة والطائفيّة، وفي موازنة الضرائب التي تعتمد آلية استنسابيّة بين مواطن يدفع ويسدّد، وآخر يتهرّب ويبدّد غير عابئ بقانون، أو سلطة، أو محاسبة.

وما بين “اتفاق الإطار”، و”الاتفاق على أنه طار”، يطير الوطن، ويتزحلق على آخر منحدر من الارتطام، قبل أن يتحوّل إلى شظايا مبعثرة.

وربما آن الأوان لإدراك الحقائق قبل فواتها. لا لبنان من دون جنوب. ولا جنوب إلاّ بعد أن يعود “بعض لبنان” إلى لبنان… وإلاّ السلام على ما يتبقى من ركام؟

شريط الأحداث