| جورج علم |
ليس ما يجري ميدانياً مرتبطاً بأهداف ضيقة، بل بمشاريع إستراتيجية كبرى لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل بدأت هزّ عروش أعرق الديمقراطيات في الغرب.
حلف شمال الأطلسي “الناتو” في “وضع حرج” بعد اللكمات القاسية التي تلقاها من الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ فلا هو قادر على اتخاذ مبادرة من النزاعات المتفاقمة – حتى داخل أوروبا – تليق بوزنه وحجمه وتعزز انطباع التفوق الذي روّجت له الدعاية الإعلاميّة الغربيّة طوال العقود السابقة، ولا هو قادر على البوح بما يعاني منه وحاجته الملحة إلى غرفة العناية الفائقة لمعالجة ما أصابه من عطب واسترداد عافيته. جلّ ما يحاوله الآن هو الحفاظ على الاستمراريّة وسط حقول الألغام التي تحاصره، والحفاظ على ما تبقى له من هالة معنوية لدى دول العالم الثالث.
ذهب إلى أوكرانيا من دون أن يعرف كيف يذهب، وأيضاً كيف ومتى يعود. سياسة “خبط عشوائي”، و”بقج” مصرورة بمئات المليارات من الدولارات لدعم كييف، وعيّنات تلو أخرى من الأسلحة المتطورة والصواريخ البعيدة المدى لإرباك الدب الروسي وإرغامه على العودة من حيث أتى. لكن لا هو عاد، ولا حتى قرر الاستدارة إلى الخلف، بل ماضٍ في إصراره على تحقيق الهدف.
حتى الاتحاد الأوروبي بدأ يخلع ثوبه القديم من دون أن يختار الجديد الذي يليق به؛ أذلّه ترامب، وقلمّ من قيمته المعنوية وهالته السياسيّة والعسكريّة.
الاتحاد الأوروبي اليوم أشبه بمذياع مخنوق؛ فقد طاقته وتحتاج بطارياته إلى شحن كي تسترد عافيتها. اجتماعات وكولسات وبيانات ومواقف تحشو صفحات الصحف ووسائل الإعلام من دون أي صدى، فيما الأفعال طي النسيان لا تنصت لها آذان نبهة، ولا تأخذها المتغيرات الجارفة بعين الاعتبار.
دول الاتحاد منقسمة اليوم حول أوكرانيا، والدعم، والجدوى التي لا جدوى منها، ومنقسمة حول الأمن الأوروبي، والمظلة المطلوبة، والمواصفات المتداولة، بمعنى هل يجب أن تكون بنكهة “أطلسيّة – أميركيّة”، أم “قوميّة صافية”. ومنقسمة حول سياسة التسلح التي تعتمدها ألمانيا بمليارات من “اليورو”. فرنسا قلقة من عودة الجار الألماني إلى الأظافر الحادة والأنياب القاطعة، وإلى جانب فرنسا هناك العديد من الدول الأوروبية التي تخشى من اليقظة الألمانية نحو التسلّح.
أما أخطر الاجتياحات التي تواجهها دول الاتحاد، فيتمثل بظاهرة الأحزاب اليمينية المتطرفة التي ترفعها صناديق الاقتراع إلى مراتب القيادة، وتمكنها من الإمساك بدفّة الحكم والتحكم بالمصائر وفق ما تؤمن به من أفكار وقناعات وخيارات متطرفة.
وليس الشرق الأوسط بمنأى عن موجة التغيير أو التحوّل الكبير في موازين القوى والتحالفات. لقد فشلت “لعبة الشطرنج” بين الولايات المتحدة وإيران، أو على الأقل لم تحقق النتائج التي كان يتوخاها الرئيس الأميركي؛ فهناك تبدّل أصاب أصول “اللعبة”. إيران صمدت، لا بل استعادت شيئاً من زمام المبادرة، وأميركا تراجعت لأسباب واعتبارات داخلية بعد فشلين معنويّين: لم تتمكن من تحقيق ما تريده عن طريق الحرب والقاذفات الشبح وأطنان القنابل والمسيّرات والمتفجّرات، ولم تتمكن من إسقاط النظام عن طريق الحصار والتجويع و”تبليط البحر”. ولم يبقَ ما يسدّ هذا الفراغ سوى مواقف ترامب الإعلامية التي ترقص على وقع رقّاص الساعة ما بين نبرة إيجابيّة وأخرى سلبيّة.
أما في الشرق الأوسط فهناك تحولات يجب أخذها بعين الاعتبار:
- لم يعد الأميركي وحده على المسرح؛ فهناك الروسي والصيني والتركي الذي دخل في تحالف مع المملكة العربيّة السعوديّة وباكستان، وله قراءته الخاصة بمتغيرات المنطقة وحاضرها ومستقبلها.
- ولم يعد الخليجي وحده؛ إنه حاضر في معظم الأندية والأحلاف والمؤتمرات الدوليّة، يعرف أن الأمن المستعار لم يوفر له الحماية، ويعرف أن دولاً كبيرة صديقة وأخرى نافذة منزعجة من طفرته الاقتصادية والإنمائية والتحديثية، وتحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
- ولم يعد البترول وحده الغاية والهدف، بل تحديث حدود المصالح وجغرافيات النفوذ والسيطرة، والانخراط بأحلاف وتحالفات لتحديد أحجام “الكوتات” في الشرق الأوسط الجديد.
يحاول بنيامين نتنياهو أن يدخل من باب القوة والهيمنة معتمداً على الحديد والنار، لكن مثل هذا السيناريو اعتُمد منذ العام 1948 وأثبت فشله في تحقيق “الأهداف الأصولية التوراتيّة”. وهو سيفشل حتماً مهما طال باعه واشتد ذراعه، لأنه ليس وحده في المنطقة، ولأن الدم المسال ليس هو ما يأتي براحة البال.
أما لبنان الذي صعد بإرادته – أو رغماً عنه – إلى “الأرجوحة” الأميركيّة، فإنّه يتأرجح ما بين حدّين: إما أن يصدق ترامب بالتزاماته ويزجر نتنياهو ليُنفذ اتفاق الإطار بكامل مندرجاته، وإما أن هذا اللبنان المغلوب على أمره سيصبح ساحة مباحة أمام “الأصوليات المتطرّفة” تحت شعار “مقاومة الاحتلال” ومنع “الأصولية الصهيونيّة التوراتيّة” من تحقيق مآربها على حساب القضايا العربية المحقة، وفي طليعتها قضيّة فلسطين.
للانضمام إلى مجموعات “الجريدة” على “واتس اب” إضغط على الرابط


