| جوني منيّر |
لا يزال الغموض يكتنف تفاصيل ما جرى في تلة “علي الطاهر” الإستراتيجية. والأهم، ذلك الصمت المريب الذي ما زال يخيِّم على أطراف القتال. وما كاد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يعلن السيطرة العملياتية على تلك التلة، حتى انطلقت مجموعات الحوثي المدعومة من إيران باتجاه الساحل الغربي المطل على باب المندب، حيث نجحوا بالسيطرة على مواقع وجزر وميناء المخا، ما جعلهم أقرب إلى التحكّم الفعلي بمدخل هذا المضيق البحري الفائق الأهمية.
وما زاد من غموض الوضع، تلك التقارير التي انتشرت، وأشارت إلى رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلباً سعودياً بالمساعدة في ردع المهاجمين، من خلال تدخّل الطيران الأميركي. واكتفت واشنطن بالمساعدة الاستخبارية وتزويد الرياض بالمعلومات وتحديد الأهداف.
وفي وقت كان يعيش فيه الخليج “صدمة” تحكّم إيران بباب المندب، أعلنت طهران عن توصّلها لاتفاق مع سلطنة عمان حول ممر بحري آمن في مضيق هرمز، وأنّ هذا الاتفاق سيجري طرحه خلال الاجتماع الذي سيعقد اليوم بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق في صلالة.
خلال الأشهر الماضية، وحين كانت الحرب تعصف بالخليج ومضيق هرمز يئنّ تحت وطأة إغلاقه، كانت السعودية تمتلك ميزة مهمّة جداً تتعلق بخط الأنابيب الذي يربط الشرق بالغرب، وبالتالي تصدير النفط عبر موانئ بديلة عن تلك الموجودة عند مضيق هرمز، والمقصود هنا ساحل البحر الأحمر. وجاءت الرسالة الأهم إثر سيطرة الحوثيّين على المنطقة المطلة على مضيق هرمز، باستهداف خط تصدير النفط إلى البحر الأحمر عبر مسيّرات قيل إنّ الفصائل العراقية الموالية لإيران تقف وراءها. وهذا الخط كان ينقل حوالى 4 ملايين برميل يومياً، وفق التقارير. والرسالة الإيرانية جاءت لتقول، إنّ طهران ستطبّق حصاراً نفطياً على المملكة. فقدرة السعودية على تصدير نفطها بعد استهداف خط الأنابيب والإمساك بمضيق هرمز، أصبح أكثر صعوبة.
لكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال إنهيار الاقتصاد السعودي. فللمملكة احتياطات وقدرات مالية وبنية تحتية ضخمة.
لكنّ السؤال هو: لماذا لم تسارع واشنطن لإنقاذ الوضع في اليمن؟ فإيران تضغط من الشرق، والحوثي من الجنوب، وترامب يكتفي بالمساعدة الاستخبارية. والأهم، أنّ طريقة إعلان طهران عن اجتماع اليوم في سلطنة عمان وعن الاتفاق حول هرمز، تُظهر وكأنّها لا تبدو في موقع تقديم تنازلات. واللافت أنّ توقيت كل هذه الأحداث يتزامن مع سعي “إسرائيل” لتثبيت واقع جديد في جنوب لبنان بعد السيطرة على “علي الطاهر” والسعي لتعميق المنطقة العازلة.
لكنّ المشهد لا يوحي وكأننا دخلنا مرحلة تهدئة متفق عليها، بل الأكثر ترجيحاً، أننا وسط عملية تفاوض غير مكتملة، تجري بالتوازي مع عمليات عسكرية، هدفها رسم أوراق القوة قبل الوصول إلى تفاهم أكبر، والذي من الممكن أن يفشل لاحقاً. “علي الطاهر” هي الورقة اللبنانية في مرحلة جمع الأوراق، فيما هرمز وباب المندب هما الورقتان البحريتان.
ومن المنطقي الاستنتاج، أنّ إيران تريد الاحتفاظ بأوراق خارج حدودها، ووفق الوظيفة التالية: الحوثي في باب المندب والبحر الأحمر، الفصائل العراقية للضغط على دول الخليج، و”حزب الله” الورقة الأقرب إلى “إسرائيل” وساحل شرق المتوسط. وهو ما يعني أنّ واشنطن و”إسرائيل” قد تنظران إلى لبنان أكثر، باعتباره الموقع المتبقّي الذي يجب حسم وضع السلاح فيه وبشكل كامل ونهائي. أمّا في اليمن، فأغلب الظن أن تتولّى السعودية عملية إبعاد الحوثيّين عن باب المندب، من خلال تصعيد جوي وبحري متدرّج، ولكن من دون التورُّط في غزو بري واسع. على أن يحدث ذلك بعد إعادة ترتيب كامل المشهد مع واشنطن.
في جنوب لبنان، لا تتردّد “إسرائيل” عن إرسال الإشارات المتلاحقة بأنّها مستمرة في مشروعها الواسع. فـ”إسرائيل” لا تتعامل مع الأوضاع من زاوية الضرورات العسكرية المحدودة، بل مع السعي لإنشاء واقع أمني أعمق وأكثر إستدامة.
لكن إذا نجحت إيران في تثبيت أقدامها عند باب المندب عبر حليفها الحوثي، فهذا سيشجّع إيران على رفع رهانها على “حزب الله”. أمّا إذا نجحت السعودية بدعم أميركي في استعادة باب المندب، فسيزداد الضغط العسكري على “حزب الله” انسجاماً مع سياسة تفكيك قدرة إيران على استخدام الوكلاء كمراكز قوة إقليمية.
لكن إذا اتجهت واشنطن وطهران الى صفقة، فسيصبح لبنان جزءاً من سلة التسويات لناحية الضغط أكثر على “حزب الله” ودعم الجيش اللبناني ومنح الدولة اللبنانية دوراً أكبر وربما تسوية لبنانية – إسرائيلية طويلة الأمد. أمّا إذا لم تنجح الصفقة وأصبح باب المندب جبهة جديدة مشتعلة وواصلت إيران الإستعانة بالحوثيّين والعراق و”حزب الله” كأوراق ضغط، فإنّ لبنان سيصبح إحدى الساحات المشتعلة من جديد.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستمنح واشنطن الدولة اللبنانية الوقت الذي تطلبه لتفكيك نفوذ “حزب الله” تدريجياً، أم ستسمح لـ”إسرائيل” بتوسيع المنطقة الأمنية؟ لا شك بأنّ الأيام المقبلة ستحمل المؤشرات حول أي اتجاه ستسلك الأمور، انطلاقاً من جنوب لبنان. وقد يكون تأجيل انعقاد المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى أمد غير محدَّد، يحمل في طياته أكثر من إشارة.
والأسبوع الجاري سيخضع لاختبارَين مهمَّين: الأول ويتعلّق بالاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش، والذي سيُعقد في باريس. فحتى الآن لا تبدو الأجواء واعدة، على رغم من الإصرار والاهتمام من قبل باريس، التي ترى في هذا المؤتمر فرصة ونافذة يمكن أن تعيدها إلى قلب المشهد السياسي اللبناني. لكنّ السؤال الأهم: هل سيجري اشتراط قيام الجيش اللبناني بخطوات ميدانية في إطار تنفيذ قرار حصر السلاح، قبل منحه المساعدات التي هو بأمسّ الحاجة إليها، انسجاماً مع وجهة نظر واشنطن؟ أم أنّ الدول المشاركة ستقتنع بوجهة نظر السلطة اللبنانية، وتعمد إلى مدّ الجيش بالمساعدات وتترك له كيفية التعامل مع هذا الملف؟
أمّا الاختبار الثاني، فهو يتعلّق بالمواجهات الجاري التحضير لها في مجلس النواب، في إطار مناقشة مشروع الموازنة. فما سيجري لن يكون مجرّد معركة مالية، بل سيحمل دلالات سياسية مرتبطة مباشرة بالمعركة الأكبر حول شكل الدولة وسلاح “حزب الله” وعلاقة لبنان بالصراع الإقليمي الكبير. ستبدو المعركة اقتصادية ومعيشية، لكنّ جوهرها سياسي. الفريق المعارض لسياسة الحكومة سيُصوِّب باتجاه الفشل الاقتصادي والملفات الحياتية، وإنّ هذه الموازنة لا تعالج الإنهيار الحاصل، وإنّ الضرائب تفاقم الأزمة، والإصلاحات لا تنتج، والوضع المالي في انهيار مستمر، والفساد مستشرٍ. وهذا هجوم سياسي مشروع بحدّ ذاته. لكنّ التركيز سيكون في جوهره، أنّ الحكومة عاجزة أمام الملفات الكبرى، أي أنّها عاجزة عن إدارة الدولة بشكل فعلي. ولا شك أنّ هذا الخطاب سيجد صداه عند الأوساط الشعبية.
في المقابل، سيسعى الفريق الموالي لسياسة الحكومة لقلب المعادلة عبر القول: كيف تطالبون بالإصلاح الاقتصادي والمالي والاستقرار في ظل سلاح خارج عن الدولة والشرعية، وهو يُسبِّب الحروب باستمرار. كما ستحضر تلة “علي الطاهر” بقوّة في المداخلات الملتهبة، خصوصاً لناحية تفضيل احتلال إسرائيل لها بدل تسليمها للجيش اللبناني.
في الواقع، ستتحوَّل جلسات الموازنة إلى جلسة “اختبار الحكومة”. والهدف الفعلي لن يصل إلى حدود إسقاط الحكومة الآن، على رغم من احتمال طرح الثقة بها. فالظروف الخارجية غير مساعدة بسبب ضبابية المشهد الإقليمي. ما يعني أنّ إسقاطها سيخلق فراغاً، وهو ما لا تلحظه الحسابات الخارجية. لكنّ الهدف الأول سيتركّز حول السعي لإضعاف الحكومة سياسياً، وإجبارها على إعادة ترتيب التوازنات داخلها.
واستطراداً، إذا نجحت النقاشات في نقل المناخ من العنوان الاقتصادي إلى شرعية الأداء السياسي والأمني، وهو ما يعني انتقال الحكومة من الدفاع عن أرقام الموازنة إلى الدفاع عن قرار حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، فهذا يعني أنّ المشهد اللبناني دخل مرحلة جديدة عنوانها: مَن يدير لبنان فعليا؟ وبالتالي هل سيتطلّب ذلك تعديلاً في سلوك السلطة؟
لكن لا يجب أن يشيح نظرنا عن المستجدات الإقليمية المتلاحقة، على رغم من كثافة دخان المواجهات الداخلية. فدروس التاريخ تؤكّد أنّ الحلول لا تُصنَع في الداخل، بل تأتي غالباً من الخارج.
![]()


