الرئيسيةشريط الاحداثقراءة أولى في الرواية الإسرائيلية لمعركة علي الطاهر

قراءة أولى في الرواية الإسرائيلية لمعركة علي الطاهر

لم تكن معركة مرتفع علي الطاهر في جنوب لبنان مجرد مواجهة إضافية في حرب طويلة تتسع خرائطها وتضيق وفق حركة الجبهات. ففي الطريقة التي أخذ الإعلام الإسرائيلي نفسه يروي بها ما جرى، تحوّل المرتفع من هدف عسكري يُراد احتلاله إلى معركة لها بعد رمزي، ثم إلى واقعة احتاجت الرواية الإسرائيلية، في لحظة لافتة، إلى استدعاء “كربلاء” كي تفسّر إصرار المقاتلين المحاصرين على البقاء والقتال ورفض الاستسلام. وهذه ليست تفصيلاً لغوياً عابراً، لأن استخدام رمز من هذا النوع يكشف أن ما جرى تحت الأرض وفوقها، كان أكثر تعقيداً مما توحي به صور التفجيرات الهائلة وإعلانات “تطهير” الموقع التي صدرت بعد انتهاء العملية.

مرتفع علي الطاهر ليس تلة معزولة. موقعه المشرف على مساحة واسعة من جنوب لبنان، واتصاله بجغرافيا النبطية والشقيف والليطاني، جعلاه طوال سنوات موقعاً ذا أهمية عسكرية استثنائية. أما ما تحته، فكان أهم من سطحه بكثير. الرواية العسكرية الإسرائيلية تتحدث عن منظومة تحت الأرض أقيمت على مدى سنوات طويلة، تضم غرف قيادة واتصال ومخازن أسلحة ومرافق إقامة وممرات تسمح بإدارة القتال لفترات ممتدة. وبعد تدمير المجمع في 10 أيلول/سبتمبر، قالت “إسرائيل” إنها حققت “سيطرة عملياتية” على المرتفع فوق الأرض وتحتها، فيما أكدت تقارير دولية مستقلة أن المنطقة كانت بالفعل إحدى أكثر نقاط الحرب تنازعاً وأن السيطرة الإسرائيلية الكاملة على شبكة الأنفاق ظلت، خلال مراحل العملية، موضع صعوبة في التحقق المستقل.

لكن الأهم من حجم الأنفاق هو الزمن الذي استغرقه التعامل معها. فمنذ حزيران لم تكن القوات الإسرائيلية أمام عملية اقتحام سريعة. الرواية التي تكشفت تدريجياً تتحدث عن أسابيع، بل أشهر، من الحصار والاستطلاع وإغلاق المداخل ومحاولات منع الإمداد، قبل إعلان نهاية المواجهة. وهذا وحده يناقض الصورة المبسطة التي حاول الخطاب العسكري الإسرائيلي تقديمها في النهاية، ومفادها أن منشأة سقطت ثم دُمّرت. لو كان الأمر مجرد موقع مهجور أو مجموعة مقاتلين عاجزين عن المقاومة، لما احتاج الجيش الإسرائيلي إلى هذا الحجم من القوات والوقت والوسائل الهندسية والاستخباراتية وإلى مئات الأطنان من المتفجرات في المرحلة الختامية.

أكثر الروايات الإسرائيلية تفصيلاً، المنشورة بعد انتهاء العملية، تقر بأن عشرات المقاتلين ظلوا داخل المجمع، وأنهم “رفضوا التخلي” عن مواقعهم وخاضوا “قتالاً على الحياة والموت” ، بحسب وصف إسرائيلي حرفي تقريباً.

صحيفة “يديعوت أحرونوت” نقلت أن القوات واجهت عشرات المقاتلين الذين بقوا تحت الأرض أشهراً، وأن تقدير الجيش كان وجود نحو خمسين مقاتلاً في المنطقة في إحدى مراحل المعركة. كما تحدثت عن انتقال القوات خطوة خطوة في منطقة مليئة بالعبوات ووسائل الرصد، وعن عدم امتلاك الجيش مسبقاً خريطة كاملة لجميع فتحات الأنفاق، ما اضطره إلى بناء الصورة الاستخباراتية خلال التقدم نفسه.

هنا تحديداً تبدأ الفجوة بين إعلان النصر وبين تفاصيل المعركة.

“معاريف”، في الرواية التي نُشرت بعد انتهاء العملية، لم تكتف بالقول إن المقاومة اشتدت، بل نقلت عن مسؤول عسكري إسرائيلي أن “حزب الله “قاتل من أجل هذا المرتفع كما لم يقاتل من أجل أماكن أخرى”. والأشد دلالة أن الصحيفة تحدثت عن محاولة الحزب صنع “أسطورة بطولة” حول علي الطاهر “على غرار معركة كربلاء”، وربطت ذلك برفض المقاتلين فرصة للخروج من الموقع حاملين رايات بيضاء، وفق الرواية الإسرائيلية نفسها. هذه الأخيرة تبقى رواية مصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي ولا توجد وسيلة مستقلة للتحقق من تفاصيلها، لكن أهميتها تكمن في أن الجهة التي أرادت تقديم سقوط الموقع كدليل على انهيار خصمها، اضطرت في الوقت نفسه إلى الاعتراف بأنه لم يستسلم عندما أتيح له ذلك، وفق روايتها هي.

تشبيه كربلاء هنا لا يعني أن معركة علي الطاهر تشبه، تاريخياً أو دينياً، واقعة كربلاء. المقارنة بهذا المعنى ستكون تعسفاً. الذي لفت الإعلام الإسرائيلي هو بنية السلوك القتالي التي يعرف أنها تحمل في الوعي الشيعي معنى خاصاً: الحصار، اختلال ميزان القوى، تعذر الانتصار العسكري التقليدي، ثم قرار عدم التسليم والقتال حتى النهاية. لذلك لم تدخل كربلاء إلى الرواية من باب التاريخ، بل من باب محاولة تفسير لماذا لم يؤد الحصار الطويل إلى الصورة التي كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يريدها: خروج جماعي برايات بيضاء وانهيار معنوي يمكن تحويله إلى مشهد دعائي.

وهذا يفسر أيضاً الإصرار الإسرائيلي على قطع الإمدادات. وفق الروايات المنشورة، حاول “حزب الله” إيصال الماء والطعام ووسائل الاتصال إلى المحاصرين، وتحدثت تقارير عن استخدام طائرات مسيّرة لهذا الغرض.

“نيويورك تايمز” نقلت عن مسؤول في الحرس الثوري الإيراني أن ما بين سبعين ومئة عنصر من الحزب، إضافة إلى مستشارين إيرانيين، كانوا في إحدى المراحل محاصرين داخل المجمع، وأن محاولات إدخال الطعام والماء استمرت أياماً. الجيش الإسرائيلي نفى لاحقاً العثور على إيرانيين في الموقع، ما يبيّن ضرورة التعامل بحذر مع الأرقام والهويات التي سُرّبت أثناء المعركة. لكن أصل الحصار ومحاولات إيصال الإمداد إلى الداخل لم يعد موضع خلاف جدي بين الروايات الأساسية.

حتى حجم المنشأة نفسه يكشف مشكلة الرواية. بعض التقارير الإسرائيلية تحدث عن مسارات يبلغ مجموعها أكثر من خمسة كيلومترات، فيما تحدثت تقارير أخرى بعد التفجير عن شبكة بطول يزيد على كيلومترين. وقد تعكس الفروق طرقاً مختلفة في احتساب الأنفاق والمسارات، لكنها تذكّر بأن أرقام الجيوش في أثناء العمليات ليست محاضر فنية نهائية. الثابت هو أن تدمير الموقع احتاج كمية هائلة من المتفجرات، وأن التفجير في 10 أيلول كان ضخماً إلى درجة أن آثاره الزلزالية سُجلت في المنطقة. “إسرائيل” قدّمت ذلك باعتباره لحظة القضاء على أحد “مراكز الأعصاب” الرئيسية لـ”حزب الله” في الجنوب.

ومع ذلك، فإن تدمير المنشأة لا يروي وحده نتيجة المعركة. فجيش الاحتلال الإسرائيلي نفسه قال إن بعض المقاتلين قُتلوا وإن آخرين نجحوا في الانسحاب.

وكالة “رويترز” ذكرت، بعد إعلان السيطرة، أن القوات الإسرائيلية كانت تسيطر على بعض المداخل وتراقب أخرى، وأن مدى التقدم الفعلي داخل المجمع لم يكن واضحاً تماماً من الخارج. وبالتالي، فالفارق كبير بين القول إن “إسرائيل” انتهت إلى السيطرة على الأرض وتفجير الأنفاق، وهو أمر ثابت، وبين بناء رواية تقول إن الطرف الآخر انهار عسكرياً ومعنوياً. الأول واقعة ميدانية؛ الثاني استنتاج دعائي لا تثبته الوقائع بالمقدار نفسه.

هناك أيضاً ما تغفله معظم الروايات الإسرائيلية: ميزان القوة. المعركة لم تكن بين قوتين متكافئتين تتواجهان في ظروف واحدة. القوات الإسرائيلية امتلكت التفوق الجوي والاستخباراتي والمدفعي والهندسي، وحرية استخدام القوة النارية الثقيلة، فضلاً عن القدرة على تطويق منطقة محدودة وعزلها زمنياً. في المقابل كان المقاتلون الموجودون تحت الأرض محاصرين ومقطوعي الإمداد إلى حد كبير. لذلك فإن السيطرة الإسرائيلية النهائية على المرتفع ليست مفاجئة من المنظور العسكري الصرف. المفاجأة، وهي التي تكشفها المصادر الإسرائيلية ذاتها، هي المدة التي تطلبها ذلك، وحجم الموارد التي استخدمت، واستمرار المقاومة حتى المراحل الأخيرة.

ومن اللافت أيضاً أن الرواية الإسرائيلية لا تقدم حتى الآن صورة مستقلة ومتكاملة لكلفة العملية على جيش الاحتلال نفسه. التفاصيل المتعلقة بخسائر “حزب الله” تُنشر بكثافة، فيما لا تتيح المصادر المتوافرة رقماً موحداً يمكن اعتماده لخسائر القوات الإسرائيلية الخاصة بمعركة علي الطاهر وحدها. وهذا اختلال مألوف في الروايات العسكرية زمن الحرب: كل جيش يعرف عن خسائر خصمه أكثر مما يسمح للجمهور بمعرفته عن خسائره، أو هكذا يريد أن يبدو. لذلك لا يمكن قراءة ميزان المعركة بالاستناد إلى حصيلة طرف واحد.

مع ذلك، ثمة نتيجة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها. فقدت المقاومة منشأة مهمة، وربما واحدة من أكبر بناها الدفاعية تحت الأرض في تلك المنطقة. وأصبحت “إسرائيل” في موقع جغرافي متقدم يسمح لها بفرض وقائع جديدة على مساحة من الجنوب اللبناني. وقد قال وزير الحرب الإسرائيلي صراحة إن السيطرة على المرتفع تكرس “المنطقة الأمنية” التي تريد “إسرائيل” الاحتفاظ بها، وهي عبارة تتجاوز كثيراً مسألة تدمير نفق أو مخزن سلاح، وتضع المعركة في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان.

لكن المفارقة أن الرواية التي أُريد لها أن تكون إعلاناً عن سقوط رمز من رموز قوة “حزب الله” حملت في داخلها الاعتراف بالعكس أيضاً: أن الموقع لم يسقط بسهولة، وأن القوة الموجودة فيه لم تتصرف كما لو أنها فقدت إرادة القتال. ولهذا ربما كانت عبارة المسؤول العسكري الإسرائيلي، لا صور التفجيرات، هي أكثر ما يستحق أن يبقى من هذه المعركة: “حزب الله قاتل من أجل علي الطاهر كما لم يقاتل من أجل أماكن أخرى”.

عندما يصل إعلام الخصم إلى “كربلاء” لكي يشرح ما شاهده في علي الطاهر، فذلك يعني أن المعركة لم تعد تُقرأ بمقياس الأرض التي ربحها أحد الطرفين وخسرها الآخر فقط. “إسرائيل” تستطيع أن تدمر النفق، وأن تفجر الجبل، وأن ترفع أعلامها فوق المرتفع، وهذه حقائق مادية ثقيلة لا يجوز إنكارها. لكنها لا تستطيع، بمجرد ذلك، أن تحدد وحدها معنى ما جرى. فالحرب الحديثة ليست صراعاً على الجغرافيا وحدها؛ إنها أيضاً صراع على تفسير الفعل الإنساني تحت الحصار: هل كان ما حدث انهياراً انتهى بتدمير المنشأة، أم صموداً انتهى بخسارة الموقع بعد استنفاد القدرة على الدفاع عنه؟

في علي الطاهر، حسمت “إسرائيل” في النهاية مصير المكان بقوة نارية هائلة. لكن روايتها هي نفسها أبقت الباب مفتوحاً أمام رواية أخرى عن الرجال الذين بقوا في باطن الجبل. وربما لهذا السبب تحديداً دخل اسم كربلاء إلى تقرير إسرائيلي عن معركة في جنوب لبنان: لأن تدمير الموقع كان ممكناً، أما تحويل رفض الاستسلام إلى هزيمة معنوية، فكان أصعب بكثير.

شريط الأحداث