الرئيسيةSliderمحاولة إختزال "أولاً".. من القاموس الدولي

محاولة إختزال “أولاً”.. من القاموس الدولي

| جورج علم |

تقدّم بعد “اتفاق مكة” الثلاثي اتفاقان: الأول أمني ـ عسكري بين اليونان و”إسرائيل” قد يتخطّى الـ3 مليار يورو في العام 2027، والثاني نفطي ما بين الولايات المتحدة وفنزويلا بمبلغ تقديري يتجاوز الـ100 مليار دولار في مراحله الأولى.

لا تنطلق “ظاهرة الاتفاقيات” هذه من ترف الأمن والاستقرار، بل من خلفيات مشحونة بالقلق والاضطراب حول الحاضر والمستقبل. ولا تنطلق من نظام عالمي مرصوص حكماً وفق قواعد الأمم المتحدة وميثاقها، والقانون الدولي، وشرعة حقوق الإنسان، بل من فوضى عارمة مدججة بسلاح القوة والهيمنة تتولّى إجتياح الجغرافيات، وتقطيع أوصال الدول، وانتهاك سياداتها.

تُفسّر هذه “الظاهرة” وكأنها عملية استلحاقية ملحّة للحدّ من الخسائر، وإيجاد مساحة مشتركة لمنع تفاقم الانهيارات المالية والاقتصادية، وضبط أسعار النفط ومعه التضخم والغلاء، ومحاولة ضبط الاهتزازات القوية التي يتعرّض لها التوازن الاجتماعي والاستقرار المعيشي. والدليل أن الحكومات والأنظمة التي تعاني من ممارسات اليمين المتطرّف في “إسرائيل” والغطرسة المعتمدة على القوة، بدأت تتحسّس رأسها مع تمدّد تيارات التطرف في مجتمعاتها السياسية؛ والدليل أن صناديق الاقتراع في الدول الديمقراطية بدأت تفرز إلى مقاعد السلطة شخصيات يمينية متطرفة، وصاحبة أفكار إلغائية، ومشاريع اختزالية.

أما الدوافع التي تستوجب قيام تكتلات دولية جديدة، فهي مواجهة التسلط الذي يتبنى عنوان “أولاً”.

لا يتحمّل عصر “الذكاء الاصطناعي” هذه العربدة، وهذا الفرز الخطير بين ما هو “أولاً” من الدول والمجتمعات، وما هو ثانياً أو رابعاً، أو ميؤوساً من وضعه وأمره!

إن التصنيف على قاعدة “أولاً” في الهيمنة الاقتصادية الجموحة والجشعة ترك جياع الأرض في وضع مأساوي، وزاد من أعداد البطون الفارغة، ومن جوائح الهيمنة المدمّرة التي تتعاطى مع الإنسان كقيمة عدمية، وتدفع به إلى اعتماد شتى الأساليب المتاحة لحفظ كرامته وتأمين لقمة عيشه.

ولعل هذا السلوك المدمّر قد دفع بزعماء قمة “منظمة شنغهاي” إلى رفع التحدي في وجه “أولاً”، ورفض الهيمنة الأحادية، والتمسك بمبادئ السيادة.

ليس عابراً ما تضمّنه “إعلان بيشكيك”، العاصمة القرغيزستانية التي استضافت قمة رفيعة المستوى يومي 31 آب/أغسطس و1 أيلول/سبتمبر بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيس “منظمة شنغهاي”.

حضر زعماء من وزن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، والتركي رجب طيب أردوغان، والإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والباكستاني شهباز شريف، وغيرهم.

ويكفي رصد بعض المؤشرات للتدليل على عمق التحول في المزاج العالمي ضد التسلط الذي تمارسه الأحادية؛ إن الاحتفال بمرور 25 عاماً على تأسيس المنظمة، وتجديد الولاء للأسس والمبادئ التي قامت عليها، يتناغم مع “ظاهرة” التحالفات والاتفاقات الدولية الناشطة لمواجهة الغطرسة الأحادية ومنطق القوة.

كما أن قطبين من “اتفاق مكة” كانا من بين الحضور في قمة بيشكيك: الرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني، وهذا مؤشر يوحي بدلالات عميقة.

إن القمة الثلاثية الروسية – الإيرانية – الصينية التي عقدت على هامش المؤتمر أقلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وخرجت صحف واشنطن بعناوين تدعو إلى الحذر والتنبه. وقد أكد “بيان بيشكيك” في ختام القمة على “الدعم الصريح لسيادة إيران وسلامتها الإقليمية، وتسوية النزاع عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية فقط”، مؤكداً ترحيب القادة بكافة الجهود الرامية (ومنها باكستان) إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة.

أما القمة الروسية – الصينية التي عقدت بين الرئيسين بوتين وشي، فقد استبقت القمة الصينية – الأميركية المرتقبة في واشنطن، وشكّلت قاعدة تفاهم ومنطلقاً مشتركاً لما سيثار من مواضيع مع الجانب الأميركي حول الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والشرق الأوسط، وأوكرانيا، وملفات حيوية أخرى تهم شعوب ودول المحور الآخر من هذا العالم.

إن إجماع المشاركين على “الأمن الإقليمي، والتعاون الاقتصادي، والتنمية المستدامة، والرؤية المشتركة، وتوقيع 28 وثيقة في مجالات الأمن والاقتصاد والتنمية” إنما يؤكد على إطلاق مسار مغاير مختلف عن مسار الهيمنة والتسلط وظاهرة رفع القبضة المشدودة في الهواء.

بالطبع، إن “هذه الموجة الرادعة” قد لا تحطّم جنون الإعصار العاصف، خصوصاً في الشرق الأوسط، لكنها بداية البدايات، حتى إذا ما وصلت إلى شاطئ الهدف كان مفعولها عظيماً!

أما لبنان العالق ما بين “اتفاق الإطار” و”مذكرة تفاهم إسلام أباد”، فيسعى إلى “تحالف دولي” تحضّر له فرنسا تحت عنوان “دعم الجيش اللبناني” لدعم سيادته على أرضه.

وليس مهماً أن يدّعي الإسرائيلي السيطرة على “علي الطاهر”، المهم أمام جميع اللبنانيين توفير الفرص، وشحذ الإمكانات المحلية والعربية والدولية لطرد “القاهر” من علي الطاهر لكي يسلم الكيان.. وإلا فالسلام على لبنان!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KCT4rMgMLCgGHGB886aJog

شريط الأحداث