الرئيسيةSliderهل تنجح "إسرائيل" في إحياء "حصان طروادة" اليوناني ضد تركيا؟

هل تنجح “إسرائيل” في إحياء “حصان طروادة” اليوناني ضد تركيا؟

| خضر طالب |

لم يكن اختيار اسم “درع آخيل” لمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي التي تبنيها “إسرائيل” لليونان مجرد تسمية عسكرية عابرة. “آخيل” هو أشهر أبطال الحرب التي قاد فيها اليونانيون حملتهم على مدينة “طروادة”، المدينة التي تقف أطلالها اليوم في شمال غربي تركيا، قرب المضائق التي تصل بحر إيجه ببحر مرمرة.

وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، يعود اسم “آخيل” إلى المنطقة نفسها، ولكن هذه المرة على متن منظومة عسكرية إسرائيلية تبلغ قيمتها نحو ثلاثة مليارات يورو، وتضم طبقات متعددة من الدفاع الجوي والصاروخي، بينها “مقلاع داوود” و”سبايدر” و”باراك إم إكس”، إضافة إلى منظومات مضادة للمسيّرات ورادارات وأنظمة قيادة وتحكم.

هل هي مجرد مصادفة تاريخية؟ أم أن الاسم يحمل شيئاً من دلالة المرحلة؟

في الأسطورة الإغريقية، كان “آخيل” قائد “الميرميدون” وأحد أبرز مقاتلي الجيش اليوناني الذي حاصر “طروادة”. أما “حصان طروادة”، فكان الحيلة التي ارتبطت في الرواية التقليدية بنهاية الحرب وسقوط المدينة. والحصان، على الأرجح، ينتمي إلى عالم الأسطورة أكثر مما ينتمي إلى الوقائع التي يمكن إثباتها تاريخياً؛ فحتى “الإلياذة” نفسها لا تروي نهاية الحرب ولا تسرد قصة الحصان بالصورة التي استقرت في المخيلة الشعبية لاحقاً.

لكن الأسطورة لا تحتاج إلى أن تكون واقعة تاريخية حتى تتحول إلى رمز سياسي.

واليوم، تبدو المفارقة لافتة: اليونان، التي خرجت في الرواية القديمة بجيشها وأساطيلها نحو الضفة الأخرى من بحر إيجه، تتلقى من “إسرائيل” تكنولوجيا عسكرية متقدمة لبناء درع جوي وصاروخي في مواجهة الأخطار التي تراها أثينا حولها.

والخطر الذي لا يمكن تجاهله في هذه المعادلة هو تركيا.

لا تقول أثينا إن “درع آخيل” موجه حصراً ضد أنقرة، كما أن الصفقة الإسرائيلية ـ اليونانية تقدم نفسها بوصفها جزءاً من تحديث شامل للقدرات الدفاعية اليونانية. لكن التوتر التركي ـ اليوناني، ولا سيما حول بحر إيجه والجزر والمجال الجوي والبحري، هو أحد أهم العوامل التي تقف خلف سباق التسلح اليوناني. وقد أشارت تقارير عن الصفقة نفسها إلى تنامي القدرات التركية باعتبارها أحد دوافع أثينا لتعزيز دفاعاتها.

بل إن أنقرة لم تنتظر طويلاً لتكشف حساسيتها. فقد حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليونان من “تسليح” جزر بحر إيجه، مؤكداً أن تركيا ستفعل ما تراه ضرورياً إذا اعتبرت أن أثينا تسلك “الطريق الخطأ”.

هنا تبدأ قصة أخرى.

فإذا كانت اليونان تملك خلافاتها الخاصة مع تركيا، فلماذا تدخل “إسرائيل” بقوة على خط هذا الصراع؟ ولماذا تستثمر مليارات الدولارات في بناء قدرة دفاعية يونانية تعتمد بصورة واسعة على التكنولوجيا الإسرائيلية؟

الإجابة لا تحتاج بالضرورة إلى نظرية مؤامرة.

“إسرائيل” تخوض منذ سنوات معركة على إعادة تشكيل بيئتها الاستراتيجية في شرق المتوسط. وتركيا، بما تمتلكه من قوة عسكرية متنامية وصناعة دفاعية متطورة ونفوذ متزايد في المنطقة، أصبحت منافساً يصعب تجاهله. وقد انتقلت العلاقة بين الطرفين في السنوات الأخيرة من منافسة سياسية وأمنية إلى مساحة أكثر خطورة، خصوصاً مع تضارب المصالح في سوريا وشرق المتوسط.

وفي هذه المعادلة، تبدو اليونان شريكاً “مثالياً” لـ”إسرائيل”: دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، على تماس مباشر مع تركيا، وتمتلك خلافات تاريخية وجيوسياسية عميقة معها، وتبحث في الوقت نفسه عن تعزيز قدراتها العسكرية.

لذلك، قد لا تحتاج “إسرائيل” إلى مواجهة تركيا مباشرة. يكفي أن تساعد خصمها الإقليمي على بناء قدرات تجعل كلفة أي مواجهة أعلى.

وهنا يمكن أن يصبح “حصان طروادة” استعارة معاكسة للتاريخ.

في الرواية القديمة، كان اليونانيون هم الذين استخدموا الحصان لإسقاط طروادة. أما اليوم، فقد تسعى “إسرائيل” إلى إعادة توظيف الرمز نفسه، لا بإدخال حصان خشبي إلى مدينة محاصرة، بل بإدخال التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية إلى منظومة الأمن اليونانية، بحيث تصبح أثينا رأس جسر متقدماً في مواجهة تركيا.

وهذه ليست مجرد فرضية نظرية، فالتعاون العسكري بين اليونان و”إسرائيل” يتوسع منذ سنوات، والصفقة الأخيرة تنقله إلى مستوى أكثر عمقاً، من شراء منظومات منفردة إلى بناء شبكة دفاعية متكاملة ونقل خبرات وتكنولوجيا وتعزيز التعاون الصناعي الدفاعي بين البلدين.

والأهم أن هذه الشراكة لا تقف عند حدود اليونان.

فشرق المتوسط يشهد منذ سنوات تقارباً بين اليونان وقبرص و”إسرائيل”، في مواجهة شبكة مصالح تركية مختلفة، تشمل قبرص وحقوقها البحرية ومناطق الطاقة وخطوط الملاحة. ومع تحول التعاون العسكري إلى عنصر أساسي في هذه العلاقات، يصبح من الصعب النظر إلى كل اتفاق باعتباره منفصلاً عن الآخر.

وفي هذا السياق، يصبح اسم “درع آخيل” أكثر إثارة للاهتمام.

فآخيل لم يكن مجرد محارب يوناني في الأسطورة، بل رمزاً للقوة العسكرية التي جاءت من الضفة الغربية لبحر إيجه إلى الأناضول. واليوم يعود اسمه إلى الواجهة، في زمن تتحول فيه المواجهة من صراع على مدينة محصنة إلى صراع على المجال الجوي والبحري، ومن السيوف والأساطيل إلى الصواريخ والرادارات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي.

إنه ليس تكراراً للتاريخ بالطبع، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً. لكن الجغرافيا التي صنعت الصراع القديم لم تتغير كثيراً.

بحر إيجه ما زال يفصل اليونان عن تركيا، والدردنيل ما زال ممراً استراتيجياً، وشرق المتوسط ما زال مساحة تتقاطع فيها المصالح العسكرية والطاقة والممرات البحرية والتحالفات.

والسؤال الحقيقي، لذلك، ليس ما إذا كان “درع آخيل” سيحمي اليونان من الصواريخ والمسيّرات. هذا هو الجانب التقني من القصة.

السؤال الأكبر هو: هل تنجح “إسرائيل” في تحويل التفوق التكنولوجي الذي تملكه إلى نفوذ استراتيجي على الضفة الأخرى من بحر إيجه، بحيث تصبح اليونان جزءاً من منظومة احتواء طويلة الأمد لتركيا؟

إذا كان الجواب نعم، فإن “درع آخيل” لن يكون مجرد منظومة دفاعية.

سيكون جزءاً من إعادة رسم الخريطة الأمنية لشرق المتوسط.

وعندها، ستكون المفارقة التاريخية مكتملة: قبل آلاف السنين عبر أخيل بحر إيجه نحو طروادة، واليوم يحمل “درعه” اسمه في الاتجاه نفسه تقريباً، لكن المعركة الجديدة لا تدور حول أسوار طروادة، بل حول من يملك اليد العليا في شرق المتوسط.

أما “حصان طروادة”، الذي كان في الأسطورة أداة لإسقاط المدينة من الداخل، فقد يكون قد عاد هذه المرة بصورة مختلفة تماماً: ليس حصاناً خشبياً، بل منظومة صواريخ ورادارات وتكنولوجيا إسرائيلية.

شريط الأحداث