هل اتخذ “حزب الله” قرار المواجهة السياسية المفتوحة ضد السلطة اللبنانية المتمثّلة بالحكم والحكومة؟
يوحي بيان الحزب الذي صدر بعد ظهر السبت، وكذلك بيان عضو لجنة الشؤون الخارجية النائب إبراهيم الموسوي يوم الجمعة، أن ثمة قرراً لدى “حزب الله” بالمواجهة مع السلطة السياسية، ولجم “حماستها” في تنفيذ الطلبات الأميركية ـ الإسرائيلية، بلا مقابل، بينما يتواصل العدوان الإسرائيلي تحت أنظار السلطة، وبغطاء أميركي، قصفاً وغارات وتهجيراً، ويهدم القرى ويجرف الأراضي ويقتل ويخطف المواطنين.
ويبدو أن النقطة التي أفاضت كأس المياه، هي رسالة وزير الخارجية يوسف رجي إلى مجلس الجامعة العربية التي تضمنت مشروع قرار لـ”التضامن مع الجمهورية اللبنانية”، والتي أكد النائب الموسوي أنها تتضمن ثلاثة بنود “تنطوي على استدراج دول المنطقة العربية إلى نَكْءِ جراح الوضع الداخلي المأزوم في لبنان، وإلى دعم سياسة المحاباة للعدو الصهيوني، وتأييد ما يلغي بنود اتفاق الطائف سواء لجهة ضرب التفاهم الوطني وحفظ جميع مكونات البلاد، أو لجهة حظر أعمال المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني للبنان وإدانة الشرفاء المقاومين الذين رفعوا راية العزة والكرامة في لبنان والعالم العربي والإسلامي”.
لكن ما حصل خلال اليومين الماضيين، من تصعيد الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على لبنان واللبنانيين، وفي ظل صمت غريب من السلطة السياسية التي يتهمها جمهور “حزب الله” أنها تدير وجهها عن ارتكابات العدو الصهيوني كأنها موافقة عليها، أو كأنها تحصل في بلد آخر، شكّل صدمة في أوساط “حزب الله” وجمهوره، حيث يرى أن السلطة السياسية، وعبر العديد من الناطقين بلسانها، قفزت فوق كل هذه الجرائم الإسرائيلية وواصلت التحضير لجولة مفاوضات جديدة، وأنجزت صفقة غريبة مع “إسرائيل” لتسليمها رفات يهود لبنانيين مفقودين سخّرت العديد من أجهزة الدولة للبحث عنهم، بينما هلّلت للإفراج عن خمسة مدنيين (3 لبنانيين و2 سوريين) كانت اختطفتهم “إسرائيل”، وأطلقت أهازيج الفرح وعبارات الامتنان لأميركا لشكرها على المساعدة في إطلاق سراحهم!
وتوحي مواقف “حزب الله”، أنه قرّر إنهاء “الهدنة” مع السلطة السياسية، والتوجّه نحو المواجهة، مع إطلاقه جرس إنذار أخير لها بأنها تجاوزت كل الخطوط الحمر.
وقد استبق ذلك بإشارات صدرت عن مسؤولين سياسيين في الحزب، بأن خيار اللجوء إلى الشارع موضوع على الطاولة، وهو قيد الدرس في قيادة الحزب، لمواجهة انزلاق السلطة السياسية وتنازلاتها المجانية.
وشكّلت هذه الإشارات رسائل للداخل والخارج، أن الغطاء العربي والدولي للحكم والحكومة، لن يستطيع حمايتهما، حتى لو تكرّر سيناريو 2006 ـ 2008 ضد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، والذي انتهى بأحداث 7 أيار.
ماذا يعني ذلك؟
ثمة قراءة في أوساط مقربين من “حزب الله” أنه كان ينتظر الحدّ الأدنى من تناغم السلطة مع المقاومة، أو ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان. إلا أن السلطة اعتقدت أن انشغال الحزب بالعمل العسكري سيمنعه من رد فعل سياسي، مع قناعتها بأنه تعرّض لضربة قاسية عسكرياً تجعله غير قادر على خوض مواجهة سياسية. ولهذا، فإن الحزب قرّر كسر هذا الجدار، وإطلاق معركة سياسية تُنهي سلوك السلطة المتفرّد، والتي تتعامل مع المقاومة ضد الاحتلال كأنها حالة “مستوردة” أو “إرهابية”، لأن المقاومة تعطّل خطة السلطة بتنفيذ كامل الإملاءات الأميركية ـ الإسرائيلية.
ماذا تضمّن بيان “حزب الله” الذي جاء تحت عنوان “حول العدوان الإسرائيلي المتمادي على لبنان”؟
نص بيان “حزب الله”:
يواصل العدو الإسرائيلي تصعيد عدوانه وإجرامه بحق لبنان، قتلًا وقصفًا وتدميرًا وتفجيرًا ممنهجًا للمنازل والقرى، ومحوًا لمعالمها، ونسفًا لكل مقومات الحياة فيها، دون رادع وبذرائع واهية، وقد أدى عدوانه الإرهابي يوم أمس إلى ارتقاء أربعة شهداء وسقوط عشرات الجرحى، في ظل صمت دولي مطبق وتواطؤ أميركي فاضح، ووسط غياب تام للسلطة اللبنانية عن تحمل مسؤولياتها، وإصرار مخزٍ منها على الاستمرار في خياراتها الخاطئة ونهجها التنازلي والاستسلامي وإطارها الذي يدوسه العدو كل يوم، والذي لم يجلب للبنان سوى العار والخزي، ولم يؤدّ إلا إلى تكريس الاحتلال واستمرار العدو في عدوانه وإجرامه بحق اللبنانيين.
إن هذا العدوان المدان والمستمر بشراكة وغطاء وتخطيط أميركي كامل، لا مبرّر له سوى الضغط على السلطة اللبنانية وابتزازها لدفعها إلى تنفيذ أجندات باتت معروفة الأهداف ولو كان الثمن إغراق لبنان في مستنقع فتنة داخلية. وإن استمرار السلطة في اللهاث خلف هذا المسار العبثي وغير الشرعي وغير الدستوري، يعطي العدو غطاءً لاستمرار عدوانه، ويمنحه مزيدًا من الوقت لتحقيق أهدافه وفرض شروطه وإملاءاته على لبنان.
إن ادعاءات السلطة أن مفاوضاتها المباشرة العقيمة واتفاق الإطار المشؤوم مع العدو يحقق إنجازات، يسقطها ويبددها استمرار الاحتلال والعدوان وسفك دم اللبنانيين والتدمير والتفجير. وإن الإفراج عن بعض الأسرى اللبنانيين، على أهميته، لا يمكن أن يكون غطاءً للتغاضي عن استمرار العدوان والاحتلال والقتل، ولا مبررًا للاستمرار في مسار أثبت فشله وعجزه عن حماية لبنان وشعبه، فيما سبق للسلطة أن أكدت مرارًا من أنها لن تذهب إلى أي مسار تفاوضي قبل وقف العدو لعدوانه.
إن السلطة مدعوة إلى إعادة حساباتها والتوقف عن المكابرة، ووضع العناد والمناكفات جانبًا، لما فيه مصلحة لبنان وشعبه، والعودة إلى الثوابت الوطنية الجامعة التي تحمي سيادة لبنان. وإننا ندعو جميع اللبنانيين إلى الوقوف صفًا واحدًا خلف موقف وطني موحّد يحفظ قوة لبنان ومنعته وسيادته في مواجهة العدوان الإسرائيلي.


