لم يعد التوتر بين تركيا و”إسرائيل” مجرد خلاف سياسي أو سجال إعلامي، بل بدأ يقترب من مستوى أكثر خطورة، مع انتقال التنافس بين الطرفين إلى الساحة السورية. فالغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور، وما رافقها من تهديدات وتصريحات متبادلة، كشفت أن مصالح أنقرة وتل أبيب باتت تتعارض بصورة مباشرة في سوريا، بعدما كانت الخلافات بينهما تُدار إلى حد كبير بعيداً عن المواجهة العسكرية.
وتكمن خطورة المرحلة الحالية في أن سوريا أصبحت نقطة التماس غير المباشر بين مشروعين إقليميين متعارضين. تركيا تريد تثبيت نفوذها في سوريا، ومعالجة الملف الكردي بما يضمن أمنها، وتحويل البلاد إلى بوابة نحو العالم العربي وممراً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً. أما “إسرائيل” فتنظر إلى أي انتشار تركي عسكري واسع قرب حدودها باعتباره تطوراً قد يحد من حرية حركتها ويغير موازين القوى في المنطقة.
ومع ذلك، فإن الحرب المباشرة بين الدولتين لا تبدو حتى الآن الخيار الأكثر ترجيحاً. فتركيا دولة كبيرة تمتلك جيشاً قوياً، وسلاحَي جو وبحر ذوي قدرات متقدمة، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، بينما تدرك “إسرائيل” أن فتح جبهة جديدة مع قوة إقليمية بحجم تركيا سيكون مختلفاً جذرياً عن مواجهاتها مع خصومها التقليديين.
كما أن أنقرة، رغم لهجتها الحادة تجاه “إسرائيل”، لا تبدو معنية بحرب مفتوحة يمكن أن تهدد مصالحها الاقتصادية والإقليمية وتضعها في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. وبالمقابل، فإن “إسرائيل” تدرك أن أي صدام واسع مع تركيا قد يفرض عليها أثماناً عسكرية وسياسية واقتصادية لا ترغب في تحملها، خصوصاً في ظل تعدد الجبهات التي تواجهها.
لكن المشكلة تكمن في احتمال الحرب غير المقصودة. فكلما ازداد وجود القوات التركية والإسرائيلية في المجال السوري، ارتفعت احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير. وقد يؤدي اعتراض طائرة، أو استهداف موقع عسكري، أو سقوط قتلى من أحد الطرفين، إلى رد فعل يصعب احتواؤه، خصوصاً في ظل الخطاب السياسي المتشدد وتراجع قنوات التواصل المباشر.
لذلك، قد لا تبدأ المواجهة بقرار سياسي معلن، بل بحادث ميداني يتدحرج تدريجياً إلى مواجهة أوسع. وهذا هو السيناريو الأكثر إثارة للقلق، لأن الدولتين تستطيعان تجنب الحرب إذا قررتا ذلك، لكنهما قد تفشلان في منعها إذا تحولت سوريا إلى ساحة اختبار للقوة والنفوذ.
وفي المحصلة، لا تبدو الحرب التركية ـ الإسرائيلية حتمية، لكنها لم تعد احتمالاً بعيداً. وما سيحدد مسارها هو قدرة الطرفين على رسم خطوط واضحة لتجنب الاحتكاك، وخصوصاً في سوريا. أما استمرار سياسة التهديد والضربات الوقائية، فقد يجعل خطأً واحداً كافياً لتحويل صراع النفوذ إلى مواجهة عسكرية يصعب على الجميع التحكم بنتائجها.


