الرئيسيةSliderالعودة إلى المدارس في لبنان: حين تتحوّل الحقيبة إلى عبءٍ وبدل النقل...

العودة إلى المدارس في لبنان: حين تتحوّل الحقيبة إلى عبءٍ وبدل النقل إلى امتحانٍ لقدرة الأهالي!

لم تعد العودة إلى المدارس في لبنان موعداً تربوياً فحسب، بل تحوّلت إلى استحقاق مالي ثقيل يبدأ قبل أن يفتح العام الدراسي أبوابه.

حقيبة، كتب، قرطاسية، زيّ مدرسي، قسط، ثم نقل.. قائمة طويلة من النفقات تتراكم دفعة واحدة، في وقت تضيق فيه قدرة العائلات على تحمّل المزيد.

في سوق القرطاسية، لم يعد الارتفاع تفصيلاً يمكن تجاوزه باختيار بديل أقل كلفة. الأسعار تتصاعد، واللائحة التي تسلّمها المدرسة للأهل تتحوّل إلى فاتورة مستقلة. أما الحقائب، فسجّلت قفزة لافتة هذا العام، إذ ارتفع سعر بعض الأنواع من نحو 30 دولاراً إلى 60 و65 دولاراً، أي بزيادة تقارب 100 في المئة.

ولا تتوقف الكلفة عند الحقيبة. فالكتب تفرض بدورها فاتورة إضافية، في وقت اختارت فيه بعض المدارس رفض الكتب المستعملة، وإلزام التلامذة بشراء نسخ جديدة. خيارٌ قد يبدو إدارياً في الظروف العادية، لكنه يصبح موضع اعتراض حين يُفرض على عائلة تحاول خفض نفقاتها بكل وسيلة ممكنة، حتى لو كان الكتاب المستعمل بحالة جيدة وقابلاً للاستخدام.

وفي موازاة ذلك، ارتفعت الأقساط المدرسية بنحو 20 في المئة في عدد من الحالات، لتضاف الزيادة إلى فاتورة التجهيز التي سبقت الدخول إلى الصف. لكنّ المفاجأة الأثقل تأتي من مكان آخر: بدل النقل المدرسي.

ففي بعض الحالات، بلغ بدل النقل مستوى يوازي **قسط المدرسة نفسه**. أي أنّ الأسرة قد تجد نفسها أمام كلفة تعليم مضاعفة تقريباً: مبلغ لتعليم التلميذ، ومبلغ آخر للوصول به إلى المدرسة.

وإذا كان ارتفاع الأسعار يضع الأهل أمام تحديات مالية، فإنّ بعض الإجراءات المدرسية تضيف بعداً آخر إلى المشكلة. إذ يواجه أهالٍ رفضاً لتسجيل أبنائهم للعام الدراسي الجديد ما لم تُسدّد كامل المتوجبات السابقة، رغم إبلاغ المدارس بعدم قدرتهم على تأمين المبلغ كاملاً في الوقت الراهن، وطلبهم مهلة إلى حين تحسّن ظروف العمل والدخل.

بذلك، تتحول المتأخرات من مسألة مالية إلى عائق أمام التسجيل. فالعائلة التي تعجز عن تسديد كامل المبلغ في موعده لا تعني بالضرورة أنّها ترفض الدفع؛ قد تكون ببساطة غير قادرة عليه الآن.

ومن حق المدارس، بطبيعة الحال، تحصيل مستحقاتها وتأمين رواتب أساتذتها ونفقاتها التشغيلية. لكنّ هذا الحق لا يلغي الحاجة إلى قدر من المرونة، خصوصاً حين يكون الطرف الآخر عائلة تحاول الحفاظ على تعليم أبنائها وسط واقع معيشي شديد القسوة.

زيادة في القسط، تضاعف في سعر بعض الحقائب، كتب جديدة بدل المستعملة، قرطاسية تتسع لائحتها، ومتطلبات لا تنتهي، ثم بدل نقل قد يعادل القسط نفسه. وكل ذلك في فترة قصيرة، وبفاتورة واحدة لا تترك للأهل مساحة كبيرة للمناورة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما إذا كانت المدارس تملك الحق في تحديد رسومها ومتطلباتها، بل أين تنتهي الحاجة الفعلية ويبدأ الترف في الطلب؟

ففي الظروف الطبيعية، قد يكون شراء حقيبة جديدة أو مجموعة كتب جديدة أمراً عادياً. أما في لبنان اليوم، فقد يصبح الفرق بين المستعمل والجديد، أو بين الضروري والإضافي، فرقاً قادراً على تحديد ما إذا كانت العائلة ستتمكن من إتمام تجهيز ابنها من دون الاستدانة.

المدرسة جزء من المجتمع الذي تعمل فيه، وليست منفصلة عن واقعه. ولذلك، فإنّ مراعاة القدرة المادية للأهل، خصوصاً بعد الحرب الضروس التي عانى منها لبنان، لا تعني التنازل عن حقوق المؤسسة، كما أنّ طلب مهلة للسداد لا يعني التنصل من المسؤولية.

أما باصات النقل المدرسي، فباتت هي الأخرى تشكّل عبئاً لا يقلّ عن القسط نفسه. فبدل أن يكون النقل خدمة مساندة للتعليم، تحوّل في بعض المدارس إلى كلفة تكاد توازي كلفة التعليم برمّته، بعدما وصلت بدلات النقل في بعض الحالات إلى مستوى قسط المدرسة نفسه. وهكذا، لا يكفي أن تؤمّن العائلة القسط والكتب والقرطاسية والزيّ المدرسي، بل تجد نفسها أمام فاتورة إضافية لنقل أبنائها، قد تعادل ما تدفعه مقابل عام دراسي كامل.

والأمر لا يتوقف عند قيمة البدل فحسب، بل يطرح سؤالاً أوسع حول آلية احتساب هذه الكلفة، ولا سيما أنّ النقل يتمّ عبر باصات مخصّصة للمدرسة وتخضع لتنظيمها، ما يجعل ارتفاع بدل الاشتراك بنداً يستحقّ التوضيح والمراجعة، خصوصاً عندما يصبح وصول التلميذ إلى مدرسته مكلفاً بقدر تعليمه نفسه.

شريط الأحداث