الرئيسيةSlider"الغرف المغلقة" فَتحت أبواب بعبدا أمام رجّي!

“الغرف المغلقة” فَتحت أبواب بعبدا أمام رجّي!

لم تكن عودة وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي إلى قصر بعبدا مجرد موعد على جدول الأعمال.

التوقيت جزء من الخبر، وبعض الأبواب لا تُفتح بالصدفة، ولا سيما حين تأتي بعد أسابيع من الأسئلة عن وزير الخارجية الذي غاب عن زيارات رئيس الجمهورية الخارجية، وبعد اعتراضات خرجت من معراب إلى العلن، فيما بقي الجزء الأثقل من النقاش داخل “الغرف المغلقة”، على حدّ تعبير رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.

الخبر أن رئيس الجمهورية جوزاف عون استقبل وزير الخارجية يوسف رجّي، ظهر الأربعاء، وبحث معه أوضاع وزارة الخارجية والاتصالات الجارية لتحديد مستقبل “اليونيفيل” في الجنوب.

لكن هذا “الاستقبال” لم يكن في سياق “طبيعي” بين رئيس جمهورية ووزير خارجية، وإنما جاء من باب ما يبدو أنه فتح “صفحة جديدة”، وإنهاء “مشروع الاشتباك” مع “القوات اللبنانية، التي تُعتبر “الشريك المسيحي” لرئيس الجمهورية في السلطة الحالية، وهو ما تعتبره “القوات” مصدر قوة تستيع استثمارها في الضغط على رئيس الجمهورية، بل إن لها “حصة” في القرار الرئاسي!

غياب رجّي عن عدد من محطات عون الخارجية تحول من تفصيل بروتوكولي إلى سؤال سياسي داخل “القوات اللبنانية”. ولم يكتفِ رئيس الحزب سمير جعجع بالتعبير عن استغرابه، بل أبقى النقاش في إطار ما سمّاه عملياً “الغرف المغلقة”، قبل أن يأتي التصعيد العلني على لسان النائب بيار بو عاصي، الذي قال  “يحق لنا التململ من الرئيس جوزاف عون”، معتبراً أن وجود رجّي إلى جانب الرئيس في زياراته الخارجية يشكّل “قيمة مضافة”.

لكن خلف قضية الوفود الرئاسية، ثمّة ما هو أبعد من مقعد إضافي في طائرة الرئيس.

ثمّة يوسف رجّي نفسه.

وزير خارجية اختار، منذ تسلّمه منصبه، أن يتعامل مع الملف الإيراني بلهجة شديدة الخصومة، إلى درجة أن بعض مواقفه لم تترك كثيرًا من المساحات الرمادية التي تسمح عادةً للدبلوماسية بالعودة خطوة إلى الوراء.

لم يتعامل مع أي ملف من موقعه الرسمي، بل من خلفيته الحزبية وبزّته الزيتية، التي لم يستطع خلعها رغم ارتدائه ربطة العنق بدل “الجعبة”.

وحين يرفع وزير الخارجية سقف المواجهة، مع أي دولة كانت، ومهما كانت الخلافات، إلى هذا الحد، تصبح العودة إلى الوراء أكثر كلفة. كل عبارة قيلت علنًا تصبح قيداً على الحركة في الغرف المغلقة، وكل موقف حادّ يتحول إلى ورقة يصعب سحبها من التداول من دون أن يبدو التراجع تنازلاً.

ولذلك، فإن رجّي لا يحرج إيران وحدها بمواقفه. قد يضع رئيس الجمهورية نفسه أيضاً أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ عون على خطاب الدولة والسيادة؟

وهنا، ظهر مخرج “تأشيرة مجاملة”، الذي يسمح للجميع بتفادي الاصطدام المباشر: لبنان لا يعترف بشيباني سفيراً، وإيران لا تضطر إلى ابتلاع مشهد إخراجه من البلاد، وبيروت تحتفظ بموقفها الرسمي من رفض اعتماده.

لكن المشكلة أن هذا المخرج جاء في الوقت الذي كان فيه رجّي يقول بوضوح إن الملف لا يحتمل التسويات، وإن على إيران تنفيذ قرار الدولة اللبنانية. وقد أكدت مصادر وزارة الخارجية أن موقف الوزير كان أن بقاء شيباني بأي صيغة يتعارض مع الموقف الذي اتخذته الدولة.

وهنا يصبح موقف النائب جميل السيد من “إقامة المجاملة” جزءاً من المشهد، لا تفصيلاً هامشياً. فالسيد دخل على خط السجال، مذكّراً بأن الإقامة الممنوحة تستند إلى كون شيباني دبلوماسياً سابقاً خدم في لبنان، أي إلى وضع قانوني مختلف عن وضعه كسفير غير معتمد، وشارحاً أنها سابقة حصلت خلال توليه منصب مدير عام الأمن العام.

لكن المفارقة السياسية تبقى قائمة:

إذا كان شيباني لم يعد سفيراً، فلماذا كان بقاؤه أصلاً بهذه الحساسية السياسية؟ وإذا كانت الإقامة مجرد إجراء قانوني، فلماذا احتاج الملف إلى كل هذه الاتصالات والمخارج؟

ولماذا حوّل رجي الملف إلى موقف شخصي؟

“القوات” فخورة برجي، لأنها ترى في مواقفه ترجمة لخطابها الإقصائي، وهذا يتعارض مع خطاب استعادة الدولة لقرارها.

ومن هنا يمكن قراءة مسألة تغييب رجّي عن بعض زيارات عون من زاوية مختلفة.

ربما لم تكن القضية فقط أن الرئيس اختار ألا يصطحب وزير خارجيته، ربما كان ثمّة اختلاف أعمق حول كيف ينبغي أن تُدار السياسة الخارجية في مرحلة شديدة الحساسية: هل بمنطق المواقف الحاسمة والكيدية السياسية، أم بمنطق إبقاء الخيوط مفتوحة، ولو عبر المخارج القانونية والاتصالات غير المباشرة؟

في هذا السياق، تصبح زيارة رجّي إلى بعبدا أكثر دلالة، فاللقاء جاء بعد ارتفاع منسوب الاعتراض القواتي، وبعد أن تحولت مسألة غيابه عن الوفود إلى مادة سياسية، وبعد أن بدا أن الخلاف حول السياسة الخارجية يتقاطع مع خلاف آخر حول طريقة التعامل مع إيران.

ولذلك، فإن فتح أبواب بعبدا أمام رجّي لا يعني بالضرورة أن كل شيء عاد إلى طبيعته.

قد يكون عون أدرك أن إبعاد وزير الخارجية عن المشهد إلى حدّ ظهوره وكأنه خارج دائرة القرار أصبح مكلفاً سياسياً، خصوصاً أن رجّي ليس وزيراً مستقلاً عن بيئة سياسية لها وزنها، وأن “القوات” اختارت هذه المرة أن تقول علناً إنها “تتململ” من أداء الرئيس.

لذلك، ربما لم تفتح الغرف المغلقة أبواب بعبدا لرجّي لأن الخلاف انتهى، بل لأن الخلاف بات أكبر من أن يبقى خلف الأبواب. الصورة التي خرجت من بعبدا تقول إن رجّي ما زال داخل المعادلة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: هل عاد إلى قلب القرار الخارجي فعلاً، أم أن عودته إلى القصر جاءت لاحتواء أزمة سياسية بدأت تتسع بين بعبدا ومعراب؟

شريط الأحداث