قد تبدو زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى اليونان في ظاهرها زيارة عادية لدولة متوسطية تربطها بلبنان علاقات تاريخية، وقد يكون طلبه من المسؤولين اليونانيين المساعدة في تنفيذ اتفاق الإطار مع “إسرائيل” مبرراً من زاوية البحث عن دعم أوروبي للضغط على الجانب الإسرائيلي. لكن توقيت الزيارة يطرح أسئلة أكبر بكثير من جدول أعمالها المعلن.
فالرئيس عون وصل إلى أثينا في وقت كانت فيه “إسرائيل” واليونان تعلنان عن إبرام أكبر صفقة دفاعية في تاريخ تعاونهما، بقيمة نحو 3.5 مليارات دولار، لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات لليونان، في خطوة تؤكد عمق التحول في العلاقة العسكرية بين الطرفين.
وهنا تحديداً تكمن حساسية الزيارة اللبنانية. فالتعاون بين “إسرائيل” واليونان وقبرص لم يعد مجرد تعاون اقتصادي أو في مجال الطاقة، بل يتجه بصورة متزايدة إلى بناء شراكة أمنية وعسكرية في شرق المتوسط، فيما تنظر تركيا إلى هذا المسار باعتباره محاولة للحد من نفوذها ومحاصرة حركتها في المنطقة.
فهل كان من الحكمة أن يذهب لبنان، في هذا التوقيت بالذات، إلى قلب هذا المحور، وخصوصاً بعد زيارة الرئيس عون لأنقرة وحرص لبنان على إبقاء علاقاته مفتوحة مع تركيا؟
المسألة ليست في اختيار لبنان صديقاً أو عدواً. لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وحساسية وضعه الداخلي، لا يحتمل أصلاً الدخول في سياسة المحاور. لكن الأخطر هو أن يبدو وكأنه ينتقل تدريجياً إلى موقع في مواجهة محور إقليمي آخر يضم تركيا، وتتقاطع معه مصالح مصر وسوريا في ملفات شرق المتوسط، في الوقت الذي تتسع فيه دائرة النفوذ التركي في سوريا، وتتحول أنقرة إلى لاعب أساسي في إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
وهنا تصبح “الدعسة الناقصة” أكثر من مجرد خطأ في التوقيت. فلبنان الذي يبحث عن علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي، قد يجد نفسه من دون قصد داخل اصطفاف جديد، عنوانه شرق المتوسط، لكنه يحمل في داخله أبعاداً أمنية وعسكرية وجيوسياسية.
ماذا سيجني لبنان من هذا الاصطفاف؟
هل ستساعده اليونان فعلاً على استعادة أراضيه المحتلة وإلزام “إسرائيل” بتنفيذ “اتفاق الإطار”؟ أم أن أثينا، وهي تعزز شراكتها العسكرية مع “إسرائيل”، ستتعامل مع لبنان من موقع مختلف تماماً، باعتباره جزءاً من شبكة مصالحها الجديدة؟
لقد طلب الرئيس عون من اليونان دعم تنفيذ “اتفاق الإطار” وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية، لكن المفارقة أن طلبه جاء في اللحظة التي كانت فيها أثينا وتل أبيب تعززان تعاونهما العسكري إلى مستوى غير مسبوق.
هل حصل لبنان على التزام محدد، أو آلية ضغط، أو ضمانة، أو مساعدة عملية يمكن أن تغيّر سلوك “إسرائيل”؟
وماذا عن الكلفة السياسية للزيارة؟
ليست المشكلة في أن يزور لبنان اليونان، ولا في أن يبحث عن دعمها. المشكلة في أن يتحول هذا الانفتاح إلى اصطفاف غير محسوب في صراع يتجاوز لبنان بكثير.
فشرق المتوسط يشهد اليوم سباقاً على النفوذ والطاقة والأمن والممرات البحرية. وفي أحد طرفيه تتعزز الشراكة بين “إسرائيل” واليونان وقبرص، وفي الطرف الآخر تتحرك تركيا بقوة لتثبيت موقعها، فيما تملك مصر وسوريا مصالح مباشرة مع تركيا.


