الرئيسيةSlider"اتفاق مكة".. بصمات صينية ورسالة ليست إلى إيران!

“اتفاق مكة”.. بصمات صينية ورسالة ليست إلى إيران!

| زينة أرزوني |

مَن المستفيد الأكبر من اتفاق مكة، ومَن الذي شجّع على ولادته؟

إذا طرحنا فكرة مغايرة لكل التحليلات والمتابعات، وقلنا إن الصين هي من تقف وراء تشكيل الاتفاق الثلاثي، وإنه ليس موجهاً ضد طهران، فقد نُتّهم بالجنون. ولكن إيران ليست اليمن، وإذا كان الهدف ضربها، فالقواعد العسكرية الأميركية موجودة في دول الخليج، وإذا كان الهدف الردع، فطهران دخلت في حرب ضد أعتى قوتين عسكريتين، هما أميركا و”إسرائيل”.

إذن، يمكن القول إن ما حصل هو بداية انتقال تدريجي من نظام أمني إقليمي اعتمد لعقود على المظلة الأميركية، إلى نظام أكثر اعتماداً على القوى المحلية، وهو ما نادت وتنادي به الصين منذ سنوات.

ولكن لا يعني ذلك أن الصين هي التي صاغت الاتفاق أو فرضته على السعودية وتركيا وباكستان، فلا توجد حتى الآن أدلة علنية تسمح بهذا الجزم. لكن وجود الصين في خلفية المشهد أكبر من مجرد مراقب خارجي، فالدول الثلاث ترتبط ببكين بعلاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية متفاوتة الأهمية، إضافة إلى علاقتها الاستراتيجية مع إيران.

ولذلك، فإن أحد السيناريوهات التي تستحق البحث هو أن تكون الصين قد شجّعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على قيام هذا الإطار الثلاثي، أو على الأقل وفّرت البيئة السياسية والاستراتيجية التي جعلت ولادته ممكنة.

وهذا احتمال يزداد أهمية إذا وضعنا الاتفاق في سياق السياسة الصينية الأوسع في الشرق الأوسط.

لا تحتاج الصين إلى أن ترث القواعد الأميركية، أو أن تنشر أسطولاً عسكرياً ضخماً في الخليج، حتى تصبح القوة الأكثر تأثيراً في المنطقة. ما تحتاجه هو شرق أوسط مستقر، وممرات بحرية مفتوحة، وتدفّق منتظم للطاقة، وأسواق آمنة، وشبكات تجارية لا تخضع لقرار قوة عسكرية واحدة.

ومن هذه الزاوية، فإن انتقال جزء من مسؤولية الأمن إلى القوى الإقليمية، قد يكون أفضل صيغة ممكنة للمصلحة الصينية. تتولى السعودية وتركيا وباكستان، وربما لاحقاً دول أخرى، جانباً أكبر من إدارة أمن المنطقة، بينما تواصل الصين توسيع حضورها في الطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا.

وهنا يصبح اتفاق مكة أكثر من تحالف دفاعي؛ يصبح، في حال تطوّره، أداة لإعادة توزيع أعباء الأمن بعيداً عن القوة الأميركية وحدها.
باكستان هي إحدى أهم حلقات الاستراتيجية الصينية في آسيا، وترتبط ببكين بشراكة عميقة تشمل التعاون الاقتصادي والعسكري وممرات “الحزام والطريق”.

والسعودية أصبحت شريكاً أساسياً للصين في الطاقة والاستثمار والتجارة، فيما تمثّل تركيا بالنسبة إلى الصين موقعاً استراتيجياً في الربط بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن أهمية موقعها في منظومات النقل والطاقة والتجارة.

وفي المقابل، تحتفظ الصين بعلاقة استراتيجية مع إيران، ما يجعلها في موقع نادر يسمح لها بالتواصل مع أطراف متعارضة داخل النظام الإقليمي نفسه.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم احتمال أن تكون الصين قد شجّعت قيام ترتيبات إقليمية جديدة، لا بهدف إنشاء محور معادٍ لطهران، بل بهدف منع المنطقة من العودة إلى حالة الفوضى التي تهدد التجارة والطاقة والاستثمارات الصينية.

إيران لا تتعامل معه حتى الآن كإعلان حرب

ربما تكون إحدى أكثر الإشارات دلالة في الساعات التي أعقبت إعلان اتفاق مكة، أن رد الفعل الإيراني لم يتحول إلى حملة سياسية أو إعلامية واسعة ضد الاتفاق باعتباره تحالفاً معادياً لطهران.

صحيح أن أصواتاً إيرانية انتقدت الاتفاق، وحذرت من أن التعاون الدفاعي الجديد لن يوفر للسعودية ضمانة أمنية حقيقية، لكن هذا لا يرقى إلى إعلان أن طهران ترى نفسها أمام “ناتو إسلامي” جرى إنشاؤه خصيصاً لمواجهتها.

والأكثر أهمية، أن تركيا وباكستان شددتا على الطبيعة الدفاعية للاتفاق، وأنه لا يستهدف دولة بعينها. وهذه النقطة ليست تفصيلاً؛ فلو كان الهدف الحقيقي المعلن للتحالف هو محاصرة إيران، لكان من المتوقع أن تكون الرسالة الإيرانية أكثر حدة، وأن يتحول الاتفاق فوراً إلى عنوان رئيسي في خطاب طهران السياسي والأمني. لكن ذلك لم يحدث بالمستوى الذي كان يمكن توقّعه.

وهنا تصبح قراءة الاتفاق باعتباره “تحالفاً سنياً ضد إيران” قراءة ضيقة لا تفسّر كل عناصر الصورة.

فالدول الثلاث قد تكون أرادت أن تقول لطهران شيئاً مختلفاً، مثلاً: إن المنطقة لن تقبل هيمنة قوة واحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد بالضرورة استبعاد إيران من أي نظام أمني مقبل.

أي إن الرسالة يمكن أن تكون: نريد التفاهم مع إيران، لكن من موقع قوة وتوازن، لا من موقع الضعف والاعتماد على ضمانات خارجية.

وهذا تحديداً ينسجم مع أحد أهم مبادئ العلاقات الدولية: أن الردع قد يكون مقدمة للتفاوض، وليس بديلاً عنه.

روسيا.. بين مكسب إقليمي وشريك إيراني

أما موسكو، فالصورة لديها أكثر تعقيداً. من جهة، يتقاطع قيام ترتيبات أمنية تقودها القوى الإقليمية مع الرؤية الروسية لعالم متعدد المراكز، تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على احتكار إدارة الأزمات الدولية والإقليمية. لكن من جهة أخرى، لا تستطيع موسكو تجاهل إيران.

روسيا ترتبط بطهران بشراكة استراتيجية عميقة، وفي الوقت نفسه طوّرت خلال السنوات الماضية علاقات قوية مع السعودية وتركيا، كما تسعى إلى تعزيز حضورها في باكستان.

ولذلك، فإن اتفاق مكة يمكن أن يكون مفيداً لموسكو إذا بقي إطاراً لتعزيز الاستقلال الأمني الإقليمي وتقليص الاحتكار الأميركي، لكنه قد يتحول إلى مشكلة روسية إذا انقلب إلى تحالف عسكري هدفه المباشر احتواء إيران.

لماذا يهم الصين أن تبقى إيران داخل الصورة؟

هنا نصل إلى جوهر المصلحة الصينية. بكين لا تريد شرق أوسط تتحول فيه المنافسة السعودية ـ الإيرانية إلى حرب مفتوحة، ولا تريد أيضاً أن تصبح إيران قوة مهيمنة على الخليج.

كلا السيناريوهين سيئ لبكين: الحرب تهدد النفط والممرات البحرية والتجارة والاستثمارات، والهيمنة الإيرانية قد تخلق توتراً دائماً مع القوى العربية التي تمثل بالنسبة إلى الصين شركاء اقتصاديين أساسيين.

لذلك، فإن السيناريو المثالي بالنسبة إلى بكين هو توازن إقليمي يمنع الهيمنة ويمنع الحرب في الوقت نفسه.

ليس المطلوب أن تكون الصين هي القوة التي تحمي الخليج، بل أن يصبح الخليج قادراً على حماية نفسه، وأن تتحول بكين إلى شريك اقتصادي وسياسي رئيسي لجميع الأطراف.

مصر.. الحلقة التي قد تكتمل بها الصورة

وهنا تظهر مصر باعتبارها الحلقة المحتملة الأكثر أهمية في أي مرحلة لاحقة، وهو ما أشارت إليه تركيا في أكثر من تصريح.
فالقاهرة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع السعودية وتركيا، ولها علاقات قوية مع روسيا والصين، كما أن موقعها الجغرافي يمنحها وزناً استثنائياً في أي ترتيبات تتعلق بالبحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية.

ومن الصعب تصور نظام أمني إقليمي طويل الأمد يتجاهل مصر، لكن الأرجح أن القاهرة لن تتعجل الانضمام إلى معاهدة دفاع جماعي. فهي تملك حساباتها الخاصة وعلاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، إضافة إلى معاهدة السلام مع “إسرائيل” وتقاليدها في الحفاظ على استقلال القرار العسكري.

لكن يمكن لمصر أن تلعب دوراً مختلفاً: أن تكون جزءاً من دائرة سياسية وأمنية أوسع تحيط باتفاق مكة، من دون الانضمام إليه بالضرورة كتحالف عسكري.

غرفة واحدة جمعت الجميع لصناعة الاتفاق

وهنا تتحول المعادلة من تحالف ثلاثي إلى نواة محتملة لشبكة إقليمية أوسع، تتداخل فيها السعودية وتركيا وباكستان ومصر، مع بقاء إيران لاعباً رئيسياً خارج الاتفاق ولكن داخل النظام الإقليمي، ومع حضور صيني وروسي متزايد من خارج البنية العسكرية المباشرة.

وإذا صحّ هذا السيناريو، فقد يكون ما يجري هو بداية انتقال تدريجي من نموذج كانت فيه واشنطن تمسك بمفاتيح الأمن الإقليمي، إلى نموذج تصبح فيه القوى المحلية مسؤولة بدرجة أكبر عن أمنها، بينما تتحول القوى الكبرى الخارجية إلى شركاء وموازنين، بدلاً من كونها الضامن الوحيد.

وهذا هو المكان الذي تلتقي فيه مصالح السعودية وتركيا وباكستان مع المصالح الصينية، وإن لم تكن هناك بالضرورة غرفة واحدة جمعت الجميع لصناعة الاتفاق. وقد يكون هذا أيضاً سبباً في عدم اندفاع إيران إلى التعامل معه كإعلان مواجهة مباشرة.

وبعبارة أخرى، قد تكون الرسالة الحقيقية لاتفاق مكة ليست: “نحن ضد إيران”، بل: “من يريد أن يكون جزءاً من النظام المقبل، عليه أن يتفاوض على قواعده”.

وهذه، إذا صحّت، تعني أننا سنكون أمام أول لبنة في نظام أمني إقليمي جديد، تجد فيه الصين مساحة أكبر للنفوذ، وتحتفظ فيه روسيا بعلاقاتها مع جميع الأطراف، وتستعيد فيه القوى العربية والإقليمية جزءاً من قرارها الأمني، بينما تضطر الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف دورها.

الصمت الأميركي تجاه التحالف

وهنا لا بد من قراءة الصمت الأميركي تجاه التحالف. حتى الآن، لم تُسارع واشنطن إلى إطلاق موقف علني رافض لاتفاق مكة. وهو صمت لا ينبغي تفسيره تلقائياً على أنه موافقة أميركية، لكنه يكشف في المقابل أن الاتفاق لم يُنظر إليه حتى اللحظة باعتباره تحدياً مباشراً للمنظومة الأمنية الأميركية.

فالدول الثلاث ما زالت مرتبطة بالولايات المتحدة بعلاقات أمنية وعسكرية واسعة، وتركيا عضو في “الناتو”، وبالتالي فإن الاتفاق لا يعني تلقائياً خروج هذه الدول من المنظومة الغربية.

وربما قد يكون هذا الصمت مقصوداً لتجنب دفع الاتفاق باتجاه الصين وروسيا. فإذا سارعت واشنطن إلى مهاجمة الاتفاق ووصفته بأنه ابتعاد عن المظلة الأميركية، فقد تمنحه بالضبط القيمة الجيوسياسية التي تسعى واشنطن إلى منعها، أي تحويله من إطار دفاعي إقليمي إلى مشروع لإعادة بناء النظام الأمني بعيداً عن الولايات المتحدة.

ولذلك، يمكن الاستنتاج أن ما حدث في مكة قد لا يكون ولادة تحالف عسكري جديد فحسب، بل بداية مفاوضات صامتة على شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعد الحرب.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط 

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

شريط الأحداث