الرئيسيةSliderاتفاقية مكة": السعودية تشتري حضور تركيا.. أين موقع أنقرة في "التحالف"؟

اتفاقية مكة”: السعودية تشتري حضور تركيا.. أين موقع أنقرة في “التحالف”؟

| عبد الناصر فقيه |

من قلب المدينة ذات الأهمية الأولى في العالم الإسلامي، ارتأت السعودية أن يكون الإعلان عن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان ـ أقوى دولتين مسلمتين (سنيّتين) في غرب آسيا ـ في مشهدية رمزية، لطالما حرص العقل الحاكم في المملكة على تقديم البلاد بوصفها “قائدة” العرب والمسلمين.

ولعل الرياض، بجلبها قائدي هاتين الدولتين القويتين ـ بتأثير من حضور المملكة القوي اقتصادياً في كل من باكستان وتركيا ـ تريد استعادة بعض من هيبة مبددة بين اليمن والبحر الأحمر من جهة، وإيران ومياه الخليج من جهة أخرى، وصولاً إلى ما قيل عن تحركات لفصائل عراقية تستهدف الأراضي السعودية أو منشآتها الحيوية. لكن ما تم التوقيع عليه في قصر الصفا لا يلبي طموحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فالهدف الأساس الذي تنص عليه “اتفاقية مكة”، وهو أن “أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع”، خالفه، أو نأى عنه، الطرفان الآخران في الاتفاقية.

وترى إسلام آباد أن الهدف من الاتفاقية هو “إضفاء طابع رسمي على عقود من التعاون القائم مع السعودية، والذي يعود إلى بدايات تأسيس باكستان، وليس إنشاء كتلة عسكرية جديدة أو تحالف هجومي موجّه ضد أي دولة بعينها، وأن الغرض المعلن منها ليس إنشاء كتلة جيوسياسية جديدة”، كما يؤكد محللون أمنيون لصحيفة “باكستان تريبون”، التي أعادت التذكير بحرص باكستان على أداء دورها الدبلوماسي وإدارة الوساطات، خاصة بين طهران وواشنطن. بينما سارعت أنقرة إلى الابتعاد عن أي التزامات ضد أطراف أو دول محددة، مركزةً على الشق الاقتصادي والتجاري من التعاون مع الرياض.

وللإضاءة أكثر على الموقف التركي، فإن ما ذكره الرئيس رجب طيب أردوغان عن إسهام الاتفاقية في “تنفيذ مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب”، يحصر مهمة أنقرة في بيع الرياض أسلحة وذخائر ومنظومات تسليحية وبرامج أمنية وعسكرية للمراقبة، بما يتعارض مع المشاركة المباشرة في الحرب الدائرة بين السعودية و”أنصار الله”، أو مع “الحشد الشعبي” في العراق مؤخراً، أو ما هو أبعد من ذلك، مع إيران. ويؤكد أردوغان مواصلة تركيا “موقفها المبدئي تجاه حل النزاعات والأزمات من خلال الحوار والدبلوماسية”، في ابتعاد واضح عن تصوير الاتفاقية باعتبارها “تحالفاً عسكرياً” ضد القوى الثلاث (اليمن والعراق وإيران).

ولم يدع الرئيس التركي مجالاً للشك في أن أنقرة ليست في أي اصطفاف ضد طهران، بتشديده على أن الاتفاقية “لا تستهدف أي دولة” وأنها “مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة”، وهو ما ينسف محاولة التأسيس له بأنه “تحالف” موجّه بالأساس ضد عمليات إيران أو حلفائها في منطقة غرب آسيا.

وربما كان أبلغ تعليق على لقاء مكة الثلاثي ما عبّر عنه نائب الرئيس التركي جودت يلماز، من توقع أن تسهم الاتفاقية في “إعطاء زخم للتعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات التجارة والتمويل والاستثمار”، وهو صلب اهتمام أنقرة وأولى أولويات بلاد الأناضول الاستراتيجية، التي تعززها الأرقام الصاعدة، مع تجاوز حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية، بداية العام، 8.6 مليارات دولار، وسعيهما إلى رفع حجم التجارة إلى 10 مليارات دولار على المدى القريب، و30 مليار دولار على المدى الطويل.

في المحصلة، “تشتري” الرياض “تحالفاً”، وهو ليس الأول من نوعه، فقد سبقته تحالفات بدأت بدول وانتهت بالسعودية وحيدة، من “عاصفة الحزم” و”التحالف الإسلامي العسكري” في 2015، إلى “التحالف البحري” في 2026، وصولاً إلى “اتفاقية مكة” الآن. والعين على استعادة الهيبة الإقليمية، بعد فشل الحماية الأميركية في درء النيران الإيرانية عن أرض المملكة.

بينما تقدم أنقرة ـ وإسلام آباد أيضاً ـ ما تحتاجه السوق السعودية، إن كان حضوراً رفيع المستوى على درجة رئيس جمهورية، أو منتجات تسليحية متطورة (سقط بعضها بنيران أنصار الله في الأجواء اليمنية)، أو شراكة أمنية ببرامج للمراقبة وما أفرزه الذكاء الاصطناعي العسكري، الذي بدأ الأتراك العمل عليه باكراً في عملياتهم الأمنية، خاصة في مكافحة نشاط “حزب العمال الكردستاني” (“بي كي كي”) ومتفرعاته.

غير أن ابتعاد بلاد الأناضول عن سياسة المواجهة الواضحة في المنطقة المحيطة بالسعودية، أو عدم تحمل وزر عضوية “تحالف” تريده الرياض موجهاً، لا يجب أن يغيب عنه أنها أيضاً في صلب التواجد العسكري في جنوبي غرب آسيا، حيث يمتلك العسكريون الأتراك إشرافاً على الخليج ووجوداً عسكرياً مباشراً فيه، من قاعدة الريان العسكرية في قطر، منذ الاتفاق مع الدوحة في 2014 وحتى انتشارهم فيها عام 2017.

بينما تعطي “تركسوم “(TURKSOM)، أكبر قاعدة عسكرية خارجية تركية في العالم، إطلالة من الصومال على خليج عدن، منذ افتتاحها في 30 أيلول/سبتمبر 2017. وهذا الحضور، بلا شك ـ وإن فُسّر في بعض جوانبه على أنه تعبير عن تنازع مع “إسرائيل” في المنطقة ـ مؤشر واضح على جهوزية القوة التركية، في حال تغيرت الأحوال الجيوسياسية أو تبدل الستاتيكو القائم بين دول المنطقة، للانخراط في اصطفافات مستقبلية أو اشتباك مباشر وفق هذه الاصطفافات.


للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

 

شريط الأحداث