| زينة أرزوني |
لماذا تفتح “إسرائيل” اليوم ملف ترسيم الحدود البرية مع لبنان، بعدما رفضت ذلك طوال السنوات الماضية؟ ولماذا يأتي هذا التحول بعد حرب مدمرة شهدت احتلال أجزاء من الجنوب، وتدمير عشرات القرى، وفرض ما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر” مناطق عازلة تحت السيطرة الإسرائيلية؟
من المؤكد أن الأمر لا يتعلق بمبادرة سلام، أو باعتراف بالحقوق اللبنانية، أو باختراق أحدثه الوفد اللبناني المفاوض في روما، كما يحاول أركان السلطة الترويج له والتسويق له على أنه “اختراق تاريخي” و”إنجاز دبلوماسي” لمجرد قبول “إسرائيل” مناقشة هذا الملف. لكن ما يخفى بين السطور هو أن “إسرائيل” تحاول نقل نتائج الحرب من الميدان إلى الخرائط، وتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع سياسي وقانوني دائم.
كانت “إسرائيل” تعتقد أن الحرب ستفرض واقعاً جديداً في جنوب لبنان، يتمثل في إبعاد “حزب الله” عن الحدود وإقامة منطقة أمنية خالية من أي تهديد. لكن، وعلى الرغم من حجم الدمار والعمليات العسكرية، لم تستطع تحقيق جميع أهدافها السياسية والعسكرية بصورة نهائية.
هل تريد “إسرائيل” إعطاء لبنان أرضاً محروقة؟
في تاريخ الصراعات، كثيراً ما تتحول الحروب إلى مفاوضات، وتتحول الخرائط إلى امتداد للمعارك. وما عجزت الجيوش عن فرضه بصورة كاملة، تحاول الدبلوماسية تكريسه على طاولات التفاوض.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تقبل “إسرائيل” اليوم بإعادة فتح ملف الحدود البرية؟
قد تكون الإجابة أن “إسرائيل” لا تمانع إعادة أجزاء من الأراضي اللبنانية بعدما دمرت بنيتها التحتية بالكامل، وبعدما أصبحت قرى بأكملها ركاماً، مقابل الحصول على مكاسب استراتيجية أكبر.
فالقرى التي تعرضت للتجريف والنسف لم تعد كما كانت، وإعادة هذه الأراضي بعد تحويلها إلى مناطق مدمرة وخالية من مقومات الحياة قد تُقدَّم إسرائيلياً على أنها “تنازل”، بينما تكون “إسرائيل” قد حققت هدفها العسكري المتمثل في تدمير البيئة الحدودية وإضعافها.
أي إن “إسرائيل” قد تعطي لبنان أرضاً محروقة، لكنها تسعى في المقابل إلى انتزاع اعتراف بواقع أمني وحدودي جديد يخدم مصالحها لعقود.
الخط الأصفر.. عوضاً من الأزرق!
أخطر ما يثير القلق في المفاوضات ليس فقط البحث في النقاط الثلاث عشرة المتحفظ عليها، بل محاولة إدخال مفهوم جديد يتمثل في التعامل مع “الخط الأصفر” الذي نشأ بفعل العمليات العسكرية الأخيرة.
فالاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر اليوم على النقاط المتحفظ عليها تاريخياً، بل يمتد إلى مناطق دخلتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب، مع استمرار عمليات التفجير والتجريف ومنع الأهالي من العودة إليها.
ومن هنا تبرز المخاوف من أن تسعى “إسرائيل” إلى تحويل هذا الخط العسكري المؤقت إلى مرجعية تفاوضية جديدة، بحيث يصبح أساساً لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، بدلاً من الانطلاق من الحدود الدولية المرسمة عام 1923 أو من الخط الأزرق كما حددته الأمم المتحدة.
وبمعنى آخر، فإن “إسرائيل” قد لا تكون بصدد ترسيم الحدود الدولية، بل بصدد إعادة تعريفها بما ينسجم مع الوقائع التي فرضتها الحرب.
تعديل الخرائط
كان يفترض، وفق القرارات الدولية، أن تنسحب “إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها، وأن تتوقف عن انتهاكاتها المتكررة للسيادة اللبنانية.
لكن ما يجري اليوم هو انتقال من منطق تنفيذ القرار 1701 إلى منطق التفاوض على نتائج الحرب.
فالوفد الإسرائيلي قد لا يكتفي بمناقشة النقاط الخلافية القديمة، بل قد يطرح إعادة النظر في تفاهمات سابقة، مستعيناً بخبراء في القانون الدولي، بما يوحي بأنه يسعى إلى إنتاج تفسير قانوني جديد للحدود يأخذ في الاعتبار الوقائع العسكرية المستجدة.
ينطلق الجانب الإسرائيلي دائماً من الدافع الأمني وحماية كيانه، أما الجانب اللبناني فيكتفي بالاحتفاء والتهليل، ومحاولة إثبات أنه “على حق” بمجرد ذهابه إلى المفاوضات مع الاحتلال.
وإذا سألنا: ماذا سيستفيد لبنان من فتح ملف ترسيم الحدود البرية؟ سنجد من يقول إن هذه الأراضي ستُعاد وإن “إسرائيل” ستنسحب منها. لكن إذا سألنا: هل سيكون ذلك وفق مقولة “الأرض مقابل السلام”؟ فهنا سيُفتح باب الاجتهادات.
أما بالنسبة إلى “إسرائيل”، فهي تريد منطقة حدودية مستقرة، بعيدة عن أي احتكاك عسكري، مع منظومة مراقبة دولية أكثر تشدداً، وإجراءات تحقق جديدة، وربما دور مختلف للقوات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يصبح ترسيم الحدود وسيلة لإعادة هندسة البيئة الأمنية في الجنوب، بما يقلص هامش حركة المقاومة ويمنح “إسرائيل” شعوراً أكبر بالأمان، من دون الحاجة إلى احتلال دائم أو إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
الاقتصاد والغاز.. البعد الخفي
إلى جانب الأمن، هناك المصالح الاقتصادية. فاستقرار الحدود يفتح الباب أمام شركات الطاقة العالمية للاستثمار في شرق المتوسط، ويمنح “إسرائيل” ولبنان فرصاً أوسع لتطوير حقول الغاز ومشاريع التصدير.
وهذه المصالح الاقتصادية قد تتحول إلى وسيلة للضغط على لبنان للقبول بتنازلات سيادية، أو بترتيبات تمهد لتطبيع سياسي تحت عنوان التنمية الاقتصادية.
هل يشكل الترسيم مقدمة للسلام؟
تطرح بعض الأوساط الدولية فكرة أن ترسيم الحدود البرية قد يكون مدخلاً إلى تهدئة طويلة الأمد، وربما إلى مسار سياسي أوسع.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يقتصر على استعادة النقاط الثلاث عشرة المتحفظ عليها، بل يتمثل في منع تحويل “الخط الأصفر” الذي فرضته الحرب إلى حدود سياسية جديدة، ومنع مقايضة الأرض المدمرة بالسلام أو بالتطبيع أو بترتيبات تنتقص من السيادة الوطنية.
وبذلك، تصبح معركة الخرائط امتداداً لمعركة الميدان.


