الرئيسيةSliderالمؤتمر المسيحي لنصرة الجنوب.. حين يصبح وجع الجنوب قضية كل لبنان

المؤتمر المسيحي لنصرة الجنوب.. حين يصبح وجع الجنوب قضية كل لبنان

| خلود شحادة | 

في بلد أنهكته الانقسامات، تأتي بعض المبادرات لتذكّر بأن هناك قضايا أكبر من الاصطفافات السياسية والطائفية، وأن وجع منطقة من لبنان لا يمكن أن يبقى محصورًا بأبنائها.

جاء” المؤتمر المسيحي لنصرة الجنوب” ليتجاوز تلك المتاريس الوهمية التي صمّت الآذان وأعمت العيون عمّا يحصل في تلك البقعة المنسية، باعتبارها محاولة لمدّ جسر بين أبناء الوطن الواحد، والتأكيد أن الجنوب، بما يعيشه أهله من خوف ودمار ونزوح وقلق على المستقبل بسبب العدو الإسرائيلي، ليس قضية طائفة دون أخرى، بل قضية لبنان بأكمله.

ويُعقد المؤتمر اليوم في فندق “لو غراي” في بيروت، بدعوة من “لقاء مستقلون من أجل لبنان”، وبمشاركة أساقفة وكهنة من الكنائس الشرقية، إلى جانب شخصيات سياسية وإعلامية وثقافية وأكاديمية وممثلين عن المجتمع المدني وناشطين. ويأتي اللقاء، بحسب منظميه، للتأكيد على أن قضية الجنوب قضية وطنية جامعة، وعلى مسؤولية اللبنانيين في التضامن مع أهله ودعم صمودهم وعودة أبنائهم إلى قراهم والمساهمة في إعادة إعمار ما تهدّم.

ولعل الأهم في هذه المبادرة هو أنها تقول، في توقيت بالغ الحساسية، إن التضامن مع الجنوب لا ينبغي أن يكون محكومًا بالهوية الطائفية لمن يعيش فيه.

فالقرى والبلدات الجنوبية ليست مجرد نقاط على الخريطة، بل إنها جزء لا يتجزأ من هوية لبنان وسيادته واستقلاله، وأهلها ليسوا أرقامًا في تقارير النزوح والدمار، بل لبنانيون يعيشون تحت وطأة واقع قاسٍ، ويدفعون أثمانًا ثقيلة، وأحلاماً كبرى لم يُقدّر لها أن تعاش بفعل آلة الإجرام الصهيونية، فيما يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة الدولة والمجتمع اللبناني والمجتمع الدولي على تأمين حماية فعلية لهم وإعادة الحياة إلى مناطقهم.

وفي ظل استمرار معاناة القرى الجنوبية، وما خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية من أضرار في المنازل والبنى التحتية والممتلكات، يصبح الصوت المتضامن أكثر من مجرد موقف سياسي. إنه رسالة إلى أهل الجنوب بأنهم ليسوا متروكين وحدهم، وأن هناك لبنانيين في مناطق أخرى يرون في معاناتهم جزءًا من معاناة الوطن نفسه.

فالجنوب الذي يتألم اليوم ليس جنوب طائفة بعينها. هو أرض لبنانية يسكنها لبنانيون من طوائف متعددة، ويمتد تاريخها وثقافتها وحضورها إلى عمق الهوية اللبنانية. ولذلك فإن الوقوف إلى جانب أهل الجنوب لا يحتاج إلى سؤالهم عن انتمائهم السياسي أو الطائفي، كما لا يحتاج إلى الاتفاق معهم في كل الخيارات السياسية.

نستطيع أن نختلف في كل توجهاتنا، ولكن دعنا نتّفق أن الموت أكبر من كل اختلافاتنا، وأن الظلم يجب أن ينزاح برفع الصوت من كل مكان.

ويكفي أنهم أبناء هذا البلد، وأن ما أصاب بلداتهم ومنازلهم وحياتهم اليومية يستحق أن يكون موضع اهتمام كل لبناني.

ومن هنا يمكن قراءة الخطوة بوصفها مساحة لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني. فبعد سنوات من خطابات التحريض والتفرقة، والتي حاولت أن تجعل من اللبنانيين أعداء بعضهم البعض، يصبح مدّ اليد إلى الجنوب فعلًا يتجاوز الحسابات الضيقة، ويعيد التذكير بفكرة بسيطة: لبنان لا يمكن أن يكون مجموعة جزر منفصلة، ولا يمكن أن يشعر قسم منه بالأمان فيما يعيش قسم آخر الخوف والتهجير والدمار، وأن هذا البلد نهائي.. لكل أبنائه.

كما أن أهمية المبادرة تكمن في أنها تفتح الباب أمام مشاركة مسيحية واضحة في قضية الجنوب، من دون أن يعني ذلك حصر القضية بالمسيحيين. على العكس، فإن القيمة الحقيقية لأي تحرك من هذا النوع تكون في قدرته على الانفتاح على أبناء الجنوب جميعًا، وعلى تحويل التضامن من خطاب إلى فعل، ومن مناسبة إلى مسار مستمر يساهم في دعم الأهالي وإعادة إعمار بلداتهم والحفاظ على ارتباطهم بأرضهم.

ويأتي ذلك في وقت يثير فيه الواقع الجنوبي أسئلة كبيرة حول حجم الاهتمام الدولي بمعاناة السكان المدنيين، وحول قدرة المجتمع الدولي على تحويل بيانات القلق والاستنكار إلى خطوات ملموسة تساعد المتضررين وتدعم عودة الأهالي إلى بلداتهم. وبينما تتكرر الدعوات الدولية إلى التهدئة والاستقرار، يبقى المواطن الجنوبي أمام تفاصيل يومية لا تحلها البيانات وحدها: منزل يحتاج إلى ترميم، أرض تحتاج إلى العودة إليها، مدرسة تحتاج إلى فتح أبوابها، وطريق وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة بناء.

وتزامناً مع المؤتمر، يتعرض الجنوب منذ ساعات الصباح الأولى، إلى قصف مدفعي وتدمير ممنهج من آلة الحرب الإسرائيلية، وتفجيرات طالت منازل واسعة للمدنيين، وترهيب للمواطنين الصامدين في الجنوب رغم كل أصوات القصف والمدفعية والدخان العابق.

وفي مواجهة هذا الواقع، لا يفترض أن تكون مسؤولية التضامن دولية فقط. فلبنان نفسه معني بأن يثبت أن الجنوب ليس هامشًا يمكن تركه عندما تهدأ العناوين السياسية، وأن أبناءه جزء من النسيج الوطني الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

لذا، فإن أي مبادرة تفتح باب التواصل بين اللبنانيين حول الجنوب يمكن أن تكون خطوة في الاتجاه الصحيح، شرط أن تتجاوز لحظة المؤتمر إلى عمل مستمر يضع الإنسان وحقه في الأمان والعيش الكريم في المقدمة.

وليس المطلوب أن يتفق اللبنانيون على كل شيء حتى يتضامنوا. يمكن أن تختلف الآراء حول السياسة والسلاح والمقاومة ودور الدولة، لكن لا ينبغي أن يتحول هذا الاختلاف إلى سبب للصمت أمام معاناة الناس. فالخلاف السياسي لا يبرر التخلي عن الإنسان، والقدرة على الفصل بين الاثنين قد تكون واحدة من أكثر الحاجات إلحاحًا في لبنان اليوم.

فالجنوب يحتاج إلى أكثر من التضامن، لكنه يحتاج إليه أيضًا. ويحتاج إلى أن يشعر أبناؤه بأن لبنان كله يرى معاناتهم، وأن ما يصيبهم لا يمر كخبر عابر، وأن الطريق إلى التعافي وإعادة الإعمار وعودة الأهالي لا يمكن أن تكون مسؤولية الجنوب وحده، بل مسؤولية وطن بأكمله.

شريط الأحداث