الرئيسيةSliderكيف يسرق الاحتلال التاريخ النضالي لأميركا اللاتينية في الملاعب؟

كيف يسرق الاحتلال التاريخ النضالي لأميركا اللاتينية في الملاعب؟

| سامية إسماعيل |

 

في مونديال 2026 حاول العدو الإسرائيلي تصوير المنتخب الأرجنتيني كداعم لكيان الاحتلال، وفي المقابل اعتبر المشجعون العرب أن المنتخب الإسباني منتخبٌ داعمٌ للقضية الفلسطينية.

نرى هذا الانحياز الجماهيري بصورة واضحة، إذ ضج العالم العربي بصور اللاعب الإسباني لامين يمال وهو يحمل العلم الفلسطيني، في حين لم يتكلم أحد عن لقطة المدافع الأرجنتيني كريستيان روميرو الذي رفض مصافحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهذا الموقف وحده يعكس عقلية اللاعب ومواقفه الرافضة لسياسات التوسع والاستعمار.

في الحقيقة، تسعى “إسرائيل” جاهدة لسلخ أميركا اللاتينية عن القضية الفلسطينية، إلا أنها تواجه إرثاً نضالياً لا يُمحى. فمنذ ستينيات القرن الماضي، وقف تشي جيفارا مع فلسطين، وزار رفح عام 1959 معلناً تضامنه مع القضية الفلسطينية.

ولم تكن كوبا الثورية بقيادة فيدال كاسترو إلا رائدة في رفض العلاقات مع “إسرائيل” منذ انتصار ثورتها.  وقبل أن يصبح مارادونا رمزاً رياضياً، كان صوتاً ضد الاحتلال، وكثيراً ما رفع شعارات داعمة لفلسطين. هذه الشخصيات  جزء من وجدان الشعوب اللاتينية، وليست مجرد أسماء في كتب التاريخ.

لكن ما يحدث حالياً هو محاولة “إسرائيلية” ممنهجة لتغيير هذه الصورة، وسلخ أميركا اللاتينية “اليسارية” عن روحها الثورة والنضالية، وتصويرها بصورةٍ لا تشبهها، مستغلة تقارب الرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلي مع “تل أبيب”، حيث وقّع “اتفاقيات إسحاق” كنسخة لاتينية من “اتفاقيات أبراهام”، وافتتح خطاً جوياً مباشراً مع الكيان، وتعهد بنقل السفارة إلى القدس.

هذه السياسات الحكومية لا تعكس بالضرورة موقف الشعب الأرجنتيني أو موقف منتخبه، بل هي محاولة لفرض واقع جديد يتجاهل تاريخاً من التضامن الشعبي مع فلسطين، بخاصة مع وجود جالية فلسطينية كبيرة في الأرجنتين تُقدّر بعشرات الآلاف .

المشكلة الأعمق ليست في مواقف الحكومات، بل في سهولة انقياد الجماهير العربية خلف بروباغندا الاحتلال، وانجرارها وراء عواطفها من دون وعي أو تحليل. فالشعوب والجماهير  العربية تمشي وراء العاطفة لا المنطق، وهذا ما يجعلها جماهير خطرةً على نفسها، إذ توظف هذه العاطفة لخدمة رواية العدو من دون أن تدري. فبدلاً من البحث في تاريخ أميركا اللاتينية النضالي، تكتفي بالحكم على شعب بأكمله بناءً على تصرفات رئيسه ورواية العدو!

ومن الأمثلة البسيطة جدًا، فقد وقعت مصر اتفاقية “كامب ديفيد”، إلا أن مدرب المنتخب المصري حسام حسن رفع علم فلسطين عقب فوز منتخب بلاده التاريخي على منتخب أستراليا، والشعب المصري ما زال شعبًا معاديًا للاحتلال على الرغم من أن نظامه نظامٌ مطبع مع العدو، وهذا لم يلغِ تاريخ مصر وشعبها، ولا يعني أن علينا التوقف عن تشجيع المنتخب المصري، أو أن تشجيعه ينتقص من وطنيتنا وعروبتنا شيئًا.

أما في لبنان، فحدّث ولا حرج، ففي الوقت الذي يمارس فيه الاحتلال وحشيته من خلال قتل الللبنانيين وتدمير البيوت، قامت الدولة اللبنانية بالموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة، ضاربةً بعرض الحائط كل جرائم الاحتلال، والمواقف الشعبية الرافضة لأي تواصل مباشر مع العدو، فهل يلغي تصرف السلطة السياسية في لبنان موقف الشعب؟ أو ينسف تاريخ المقاومة؟ بالطبع لا، إذ أن الانظمة لا تتساوى مع الشعوب.

وبالمثل، رئيس الأرجنتين قد يتقرب من “إسرائيل”، لكن الشعب الأرجنتيني، بتاريخه النضالي، لا يزال يحمل في وجدانه إرث غيفارا ومارادونا وكاسترو. فما يُؤخذ على الأنظمة لا يُؤخذ على الشعوب، وما تُروِّجه الدعاية لا يعكس جوهر الوعي الشعبي.

وتبقى الحقيقة الأثبت أن الشعوب ليست أوعيةً فارغة تُملأ بما تشاء الدعاية، ولا قطع شطرنج تحركها أيدي الأنظمة، فتاريخ أميركا اللاتينية النضالي ليس ورقاً قابلًا للطيّ، ولا ذاكرة جماعية تُشترى بصفقات، أو تُطمس بخطوط جوية جديدة. تشافييز، غيفارا، مارادونا، كاسترو، هؤلاء ليسوا مجرد رموز بل امتداد لذاكرةٍ سياسية وشعبية تشكّلت عبر عقود من مناهضة الاستعمار ودعم قضايا التحرر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. لذلك، فإن اختزال شعبٍ كامل في موقف رئيس أو حكومة لا يخدم إلا الرواية التي يسعى الاحتلال إلى تكريسها.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الرأي العام العربي إلى قدر أكبر من الوعي في التعامل مع “الدعاية الإسرائيلية”، التي لا تستهدف الحكومات فحسب، بل تسعى أيضًا إلى إعادة تشكيل صورة الشعوب والحركات التاريخية في الوعي العربي. فالمعركة لم تعد عسكرية أو سياسية فقط، بل أصبحت معركة على الرواية والذاكرة والإدراك. ومن هنا، فإن مسؤولية الجمهور لا تقتصر على التعاطف مع فلسطين، بل تمتد إلى التحقق من المعلومات، وقراءة التاريخ، وعدم الوقوع في فخ الدعاية التي تحاول تحويل الحلفاء التاريخيين إلى خصوم، وتشويه كل إرثٍ نضالي لا ينسجم مع مصالح الاحتلال. فالوعي اليوم هو خط الدفاع الأول، والعدو الذي يعجز عن كسر الشعوب في الميدان، يحاول كسرها في الوعي.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

 

شريط الأحداث