spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةكيف وصلنا إلى الملحق الأمني؟

كيف وصلنا إلى الملحق الأمني؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

منذ انطلاق جولات التفاوض في الولايات المتحدة، أبلغ الجانب الأميركي اللبنانيين بضرورة مشاركة وفد عسكري يتولّى التفاوض على الآلية التنفيذية للاتفاق. وعندما حاول رئيس الجمهورية جوزيف عون والسفيرة معوض الاكتفاء بمشاركة المُلحق العسكري في السفارة اللبنانية في واشنطن، العميد أوليفر حاكمة، لفت الأميركيون إلى أن الأمر يتطلّب أكثر من مجرّد ممثّل عسكري. وفي حين لم يفهم الوفد اللبناني، من سيمون كرم إلى معوض، دلالة إشراك إسرائيل ضباطاً كباراً من هيئة التخطيط الاستراتيجي في جيش الاحتلال ومن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، شدّدت واشنطن على أن المفاوضات لن تستقيم من دون وفد من الجيش اللبناني، يضم ضباطاً مختصّين بتنفيذ اتفاق يتضمّن بنوداً عسكرية وأمنية تفصيلية.

في تلك الفترة، اندلع نقاش واسع في لبنان حول مشاركة الجيش في المفاوضات، وارتفعت أصوات تدعو إلى عدم زجّ المؤسسة العسكرية فيها، ومورست ضغوط على عدد من الضباط لثنيهم عن المشاركة، في مقابل ضغوط أميركية متواصلة على قيادة الجيش للدفع نحو انخراط كامل للمؤسسة العسكرية في الوفد المفاوض. وانتهى الأمر إلى تسوية اعتبرها الأميركيون مناسبة، قضت بأن يشكّل الجيش اللبناني وفداً متخصّصاً يضم الضباط المعنيين بأي اتفاق ذي طابع عسكري، ووافق رئيس الجمهورية على فصل اجتماعات الوفد العسكري عن اجتماعات الوفد السياسي، ومُنح قائد الجيش العماد رودولف هيكل هامشاً واسعاً لوضع الضوابط السياسية والسلوكية والعسكرية التي تحكم أداء الضباط المشاركين.

وسهّل ذلك على أعضاء الوفد العسكري الذهاب إلى واشنطن انطلاقاً من قناعة بأن مهمتهم هي التفاوض مع العدو بما يحفظ مصالح لبنان. لكنّ الاجتماع الأول انتهى بنتيجة سلبية، إذ أبلغ الأميركيون الرئيس عون أن وفد الجيش يسير في اتجاه مغاير لذلك الذي يعتمده وفد كرم – معوض، فيما قال الإسرائيليون إن الوفد العسكري يطرح ملاحظات واعتراضات ومُقترحات لا يمكن لإسرائيل القبول بها. وعندها تعهّد عون بمعالجة الأمر على طريقته.

في بيروت، كان رئيس الجمهورية يدير أكبر عملية تضليل إعلامي وسياسي، إذ أعلن تشكيل غرفة عمليات لمواكبة الوفد المفاوض، ضمّت سفراء وخبراء، ليتبيّن لاحقاً أن دور معظمهم اقتصر على «التدقيق اللغوي» في النصوص، وجمع الوفدين العسكري والسياسي في اجتماع موحّد في القصر الجمهوري، في خطوة عُدّت بداية لمسار دمج الوفدين. وخلال الاجتماع، حاول عون الإيحاء بأن مسؤوليات الوفد العسكري تختلف عن مسؤوليات الوفد السياسي، إلا أن الرسالة الفعلية كانت واضحة. وعندما توجّه الجميع إلى واشنطن، كان كرم ومعوض يتصرّفان على أساس أن الوفد العسكري سيخضع لتوجيهاتهما في كل خطوة من خطوات التفاوض.

كان يوم الثلاثاء، 23 حزيران الماضي، الموعد الأول لاستئناف المحادثات. وبحسب الآلية المُتّفق عليها، كان يُفترض أن يجلس الوفد العسكري اللبناني في غرفة مستقلّة للتفاوض مع الوفد العسكري الإسرائيلي، فيما يعقد الوفد السياسي جلساته بصورة منفصلة، على أن يجري التنسيق بين الجانبين عبر اجتماعات دورية في مقر السفارة اللبنانية في واشنطن.

وخلال الاجتماع التنسيقي، اطّلع كرم على الملفات والملاحظات التي أعدّها الوفد العسكري، ففوجئ بحجم التحضير الذي أنجزه الضباط، إذ حمل الوفد معه ملفات تجاوزت مئات الصفحات، تضمّنت توثيقاً شاملاً للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان منذ عام 2000، وتقريراً مُفصّلاً عن خروقات إسرائيل لاتفاق 27 تشرين الثاني 2024، إضافة إلى دراسة قانونية حول العدوان الإسرائيلي، وملفات أكثر تفصيلاً عن المناطق اللبنانية المحتلة حالياً، وعمليات التدمير والتجريف التي تنفّذها قوات الاحتلال بصورة يومية.
لا تُعرف على وجه الدقّة ردّة فعل كرم إزاء هذا المستوى من التحضير، لكنّ السفيرة معوض تعاملت مع الأمر باستخفاف، إذ همست في أذن أكثر من مشارك: «نحن هنا لتوقيع اتفاق أنجزه الأميركيون، والنقاش في التفاصيل يأتي بعد التوقيع».

في المقابل، حاول كرم الاستفادة من عمل الوفد العسكري. وقبيل الجلسة الأخيرة التي انتهت بتوقيع الاتفاق، وبعدما شاع الحديث عن صعوبات وتوترات رافقت الاجتماعات، تبيّن أن سببها الحقيقي كان إصرار الوفد العسكري على مناقشة البنود التنفيذية المتعلّقة بالانسحاب والمناطق التجريبية. غير أن المفاجأة الكبرى كانت أن أعضاء الوفد العسكري لم يكونوا على علم بوجود مُلحق أمني مُرفق باتفاق الإطار.

مقترحات الوفد العسكري

عملياً، تقدّم الوفد العسكري بمجموعة من المقترحات الهادفة إلى جعل الاتفاق أكثر وضوحاً وقابلاً للتنفيذ، ومن أبرزها:
أولاً: التزام إسرائيل بوقف كامل لإطلاق النار وجميع الأعمال العسكرية، بما في ذلك عمليات التدمير والتفجير والخروقات الجوية، على أن تتولّى لجنة المراقبة ضمان تنفيذ هذا الالتزام. وقدّم الوفد العسكري وثائق تُظهِر أن إسرائيل لم تلتزم إطلاقاً بوقف إطلاق النار الموقّع عام 2024، في حين التزم به لبنان وحزب الله بصورة كاملة.

ثانياً: رأى الوفد العسكري أن لجنة الإشراف على التنفيذ، التي أرادها الأميركيون ثلاثية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، تحتاج إلى توسيع عضويتها. واقترح ضم ممثّلين عن قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب، باعتبار أن ولايتها لم تنته بعد، وأن تنفيذ الاتفاق سيجري ضمن نطاق انتشارها. كما ناقش الوفد إمكان إشراك ممثّلين عن دول أوروبية أو عربية في اللجنة.

ثالثاً: في ما يتعلق بالمناطق التجريبية، قدّم الجيش عرضاً عسكرياً وتقنياً أوضح فيه أن نجاح أي آلية تنفيذية يتطلّب مساراً واضحاً ومحدّداً بدقّة، زمانياً ومكانياً. وأكّد الوفد العسكري أنه يرفض أي تنسيق مباشر مع جيش الاحتلال، كما يرفض أي احتكاك ميداني معه. واعتبر أن التصوّر الإسرائيلي للمناطق التجريبية يناقض هذا المبدأ، لأنه يقوم على اختيار بقع جغرافية متفرّقة وانتقائية. واقترح تقسيم الجنوب إلى ثلاث مناطق متصلة، تمتد على طول الحدود من الغرب إلى الشرق. المنطقة الأولى، على سبيل المثال، من الساحل غرباً مروراً بقرى القطاعين الغربي والأوسط وصولاً إلى القطاع الشرقي، بما يفرض انسحاب قوات الاحتلال من كامل هذا الشريط دفعة واحدة، قبل انتشار الجيش اللبناني فيه بصورة كاملة. وبهذه الآلية، تنتشر وحدات الجيش من دون أن تكون حركتها مُقيّدة بوجود قوات الاحتلال، فيما تؤمّن قوات الأمم المتحدة منطقة فاصلة بين الجانبين.

رابعاً: اقترح الوفد العسكري أن تُحصر المناطق التجريبية بالمناطق المحتلة أولاً، وبالرقعة الواقعة ضمن نطاق عمل قوات الطوارئ الدولية (اليونيفل)، أي جنوب نهر الليطاني. وأكّد أن الجيش اللبناني يلتزم بتنفيذ عملية نزع السلاح بصورة كاملة داخل هذه المنطقة، من دون أن يُستخدم ذلك ذريعة لمنع الأهالي من العودة إلى قراهم بحجة انتماء بعضهم إلى حزب الله. أمّا ملف السلاح شمال الليطاني، فيُترك لمعالجة لاحقة تتولاها الحكومة اللبنانية. وقدّر الوفد العسكري أن إنجاز كل منطقة تجريبية يحتاج إلى فترة تُراوِح بين عشرين يوماً وشهر كحد أقصى، بما يسمح باستكمال تنفيذ الاتفاق كاملاً خلال ستين يوماً، أو خلال ثلاثة أشهر على أبعد تقدير.

لم يكن الوفد الإسرائيلي وحده المُنزعِج من طروحات الوفد العسكري اللبناني، إذ ظهر الاعتراض أولاً من الجانب الأميركي. فقد سارع الوسيط الأميركي إلى التدخل لمصلحة إسرائيل، متوجهاً إلى أعضاء الوفد اللبناني بالسؤال: «هل أدخلتم تعديلات على موقفكم من مسوّدة الاتفاق؟». وأدّى ذلك إلى توتر قصير داخل الجلسة، خرج على إثره أحد ضباط الوفد اللبناني من القاعة بذريعة التدخين، لكنها كانت إشارة انزعاج نُقلت إلى بيروت على عجل. عندها، قال الأميركيون للوفد العسكري بوضوح: «أنتم هنا للعمل تحت إشراف الوفد السياسي»، حتى إن مسؤولاً في الخارجية الأميركية لفت انتباه أحد أعضاء الوفد اللبناني قائلاً: «يبدو أن التعليمات لم تصلكم بوضوح من بيروت، وسنتولّى معالجة الأمر».

ما حصل عملياً أن الوفد السياسي تعمّد إخفاء وجود المُلحق الأمني السرّي عن الوفد العسكري، لأنه كان يدرك أن الملاحظات التي قدّمها الجيش اللبناني تنسف مضمون هذا المُلحق بالكامل، وهو ما يتعارض مع التوجه. لذلك، انتهى الاجتماع إلى «ترحيل نقاط الخلاف» إلى لقاء يُعقد على المستوى السياسي حصراً. وهذا ما حصل في اليوم التالي، حين كانت واشنطن تحتاج إلى عملية تمويه إعلامية شارك فيها إعلاميون من لبنان وإسرائيل، قوامها الترويج لوجود «مفاوضات شاقّة وقاسية» داخل القاعة. إلّا أن الواقع كان مختلفاً تماماً. فقد دخل الأميركيون والإسرائيليون إلى الجلسة بالنصوص نفسها التي أُعدّت سلفاً، وأُهملت جميع الملاحظات التي قدّمها الوفد العسكري اللبناني.

وفي الوقت نفسه، كان عون يتصل بمعوض، ليبلغها بالقرار الذي كانت على علم به مُسبقاً، فأبلغت الحاضرين بأنها جاهزة للتوقيع. عندها، أُعيد ترتيب القاعة بما يتناسب مع مراسم التوقيع، وحضر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي كان قد أنهى للتوّ جولة في الخليج، للإشراف على توقيع الاتفاق.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img