spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderحرب المصطلحات.. حين تُقتل الضحية مرتين!

حرب المصطلحات.. حين تُقتل الضحية مرتين!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

سامية إسماعيل |

في خضم الحرب على غزة ولبنان، تندلع معركة أخرى لا تقل شراسة، لكن أسلحتها ليست الصواريخ والمسيّرات، بل الكلمات والعبارات. قد يعتقد البعض أن المصطلحات مجرد تفاصيل شكلية، لكنها في الحقيقة صانعة الوعي ومُشكّلة الرأي العام. فاختيارك بين “جيش الاحتلال” و”الجيش الإسرائيلي”، أو بين “شهيد” و”قتيل”، ليس مجرد تفضيل لغوي، بل هو إعلان عن روايتك وموقفك من الحدث نفسه.

فالكلمة ليست مجرد وسيلة لنقل الحدث إنما أداة لتفسيره، وتوجيه الرأي العام نحوه، ففي الحروب لا تكون المعركة على الأرض وحدها، إنما تمتد إلى اللغة. فلكي يقتنع الناس بروايةٍ معينةٍ، يجب أن يقتنعوا أولًا بمفرداتها.

المصطلح هو الرواية

في تغطية الحرب بين لبنان والعدو الإسرائيلي، يظهر الانقسام الإعلامي بوضوح. فالإعلام المؤيد للمقاومة يستخدم مصطلح “جيش الاحتلال”  ليعبر عن حقيقة أن هذا الجيش ليس جيشاً عادياً لدولة شرعية، بل أداة عسكرية لكيان احتلال يمارس التوسع والاستيطان. في المقابل، يستخدم الإعلام الذي يعتبر نفسه “حيادياً” عبارة “الجيش الإسرائيلي”  التي تمنحه مشروعية دولة كاملة. وهذه النقطة تحديداً هي جوهر المعركة: كلما تكررت كلمة “إسرائيل” من دون وصف “الاحتلال”، ترسّخت في ذهن المتلقي صورة دولة طبيعية لها مؤسساتها العسكرية الشرعية.

لماذا لا نتبنى رواية الاحتلال؟

أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام أثناء الحرب ليس نشر خبر غير دقيق، بل التحول إلى ناقل تلقائي لرواية الخصم. فالاحتلال يدرك أن الحرب لا تُحسم بالنار وحدها، بل بالكلمة أيضاً، لذلك يسارع بعد كل اعتداء إلى إعلان روايته للأحداث، مدركاً أن انتشارها السريع يمنحها قوة التأثير حتى قبل التحقق منها. وعندما تتبنى وسائل الإعلام هذه الرواية بصيغة الجزم، فإنها لا تنقل خبراً فحسب، بل تساهم في صناعة وعي يخدم أهداف الطرف الذي أطلق الرواية. ولهذا، يصبح التعامل النقدي مع بيانات الاحتلال جزءاً من المسؤولية المهنية، لأن الخبر في زمن الحرب ليس مجرد معلومة، بل عنصر من عناصر الصراع على الوعي والرواية.

“ميليشيا” أم “مقاومة”.. تجريد من الشرعية

كذلك الأمر بالنسبة لوصف المقاومة. حين يُستخدم وصف “ميليشيا”، فهو يحمل في طياته اتهاماً بعدم الشرعية وبالعشوائية، ويقصد به تجريد المقاومة من صفة النضال الوطني المشروع. بينما يعكس مصطلح “مقاومة” حالة من المشروعية الوطنية، ويصف حركة تهدف لتحرير الأرض ومواجهة الاحتلال. اختيار الكلمة هنا حاسم لأنه يحدد كيف سينظر القارئ والجمهور إلى الفاعلين في الصراع.

فخ “الاغتيال”: تبرير القصف تحت غطاء استهداف القادة

وهنا تكمن نقطة بالغة الخطورة: عندما يشن العدو الإسرائيلي غارة على منطقة مأهولة مثل الضاحية الجنوبية لبيروت، أو يستهدف أي مبنى سكني آمن في أي منطقة، يسارع بعض الإعلام إلى وصفها بأنها “محاولة اغتيال”، هذا الوصف، حتى لو كان من باب النقل، يحمل في طياته تبريراً ضمنياً للقصف.  فكيف لوسيلةٍ إعلاميةٍ أن تصف عدواناً يسقط فيه العشرات من المدنيين وتُهدم فيه أحياء سكنية بأنه مجرد “عملية اغتيال محدودة الهدف”؟ أليس هذا تقديماً لرواية العدو على حساب  الوطن والناس؟

والأخطر من ذلك هو السؤال الذي لا نطرحه غالبًا: هل الإعلام الذي يتبنى هذه المصطلحات يعبر عن رؤية وطنية، أم أنه مجرد منفذٍ لأجندة تخدم العدو؟

فعندما نرى إعلاماً محلياً يركض خلف مصطلحات الاحتلال ويقدمها للجمهور وكأنها حقائق مسلّم بها، يصبح من المشروع أن نتساءل: من وراء هذا الطرح؟ ولماذا يتم تبرير العدوان على بلدنا بكلمة واحدة قد يظن كاتبها أنها محايدة، وهي في الحقيقة تحمل كل هذا الثقل؟

وبالأصل، فإن أي هدف عسكري لأي جيش، يجرّم القانون الدولي استهدافه إن لم يكن في ساحة الحرب، ويعتبر استهدافه خارج منطقة الصراع جريمة حرب موصوفة.

اللغة ليست محايدة

 

في النهاية، لن يُخدَع القارئ إلا إذا تخلّى عن حقه في الفهم. فعليه أن يغضب حين يرى إعلاماً يلوّن الدم بالكلمات، وأن يخاف على عقله من مصطلح يُدخله من شقّ صغير ليوسّع كذبة كبيرة. لكنه في الوقت نفسه مسؤول: يفكّك العبارة قبل أن يصدّقها، يسأل من المستفيد، يقارن بين الروايات، ولا يمرّر كلمة تُشرعن القتل أو تُلمّع وجه الاحتلال.

فالقارئ الذي لم يشعر بالغضب، لم ينتبه بعد. والذي لم يشعر بالخوف، فهو لم يدرك بعد أن المعركة الحقيقية تدور في عقله، ذلك أن أول سلاح يسقط في الحرب ليس الصاروخ، بل الحقيقة. والعدو يعرف ذلك جيداً، لذلك يستثمر في الإعلام أكثر مما يستثمر في القنابل.

فالخوف الحقيقي ليس من القصف، بل من أن يستيقظ يوماً ليجد نفسه يردد مصطلحات رسختها رواية العدو من دون أن يدري.

فليتذكّر أن الكلمة التي يتسامح معها اليوم قد تُكتَب غداً في ذاكرة أولاده كـ”حقيقة”. فخبر اليوم، هو تاريخ سيُكتب.

ومن تقتله “إسرائيل” مرة بصواريخها “الذكية”، تغتاله ألف مرة عبارات تبرر قتله من وسائل تمارس “الغباء الإعلامي” ببيع حق الوطن!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

 


 

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img