spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"إسرائيل" تستولي على الشوكولا في العالم!

“إسرائيل” تستولي على الشوكولا في العالم!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

|روان فوعاني|

تواجه سوق الكاكاو العالمية واحدة من أخطر أزماتها منذ عقود، مع ارتفاع غير مسبوق في الأسعار نتيجة تراجع الإنتاج في الدول الأفريقية التي تُعد المصدر الأساسي لحبوب الكاكاو، وعلى رأسها ساحل العاج وغانا.

وقد أدّت مجموعة من العوامل المتداخلة إلى تفاقم الأزمة، أبرزها تغيّر المناخ، وانتشار الأمراض الزراعية، وتراجع المحاصيل، إضافة إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل.

ومع اعتماد العالم بشكل شبه كامل على عدد محدود من الدول المنتجة، تحوّلت أي أزمة زراعية أو مناخية إلى تهديد مباشر لصناعة الشوكولا العالمية بأكملها، ما دفع الشركات الكبرى إلى البحث عن حلول بديلة تضمن استمرار الإنتاج بعيداً عن التقلبات الزراعية.

في هذا السياق، بدأت شركات عالمية بالتوجّه نحو إنتاج “كاكاو مختبري” يُصنّع عبر تقنيات حيوية داخل المختبرات، بعيداً عن الزراعة التقليدية. ويُقدَّم هذا التوجّه على أنّه مستقبل صناعة الشوكولا، خصوصاً مع ازدياد المخاوف من استمرار أزمة الكاكاو الطبيعي في السنوات المقبلة.

وهنا يبرز الدور “الإسرائيلي” بشكل لافت، إذ تتقدّم شركات “إسرائيلية” في مجال تطوير بدائل الكاكاو باستخدام التكنولوجيا الغذائية والهندسة الحيوية، في محاولة لفرض نفسها لاعباً أساسياً في مستقبل هذه الصناعة العالمية. فـ”إسرائيل” التي تسعى منذ سنوات إلى توسيع نفوذها في قطاع “التكنولوجيا الغذائية”، ترى في أزمة الكاكاو فرصة اقتصادية واستراتيجية ضخمة للدخول إلى سوق تُقدَّر بمليارات الدولارات.

ومن بين أبرز الشركات العالمية المرتبطة بهذا التحوّل، شركة “Mondelēz International”، إحدى أكبر شركات الصناعات الغذائية والحلويات في العالم، والتي تضم تحت مظلتها علامات تجارية شهيرة مثل: Cadbury، Oreo، Milka، Toblerone، Lacta، Chips Ahoy!، Ritz، Halls، وTrident.

وتحاول الجهات الداعمة لفكرة “الكاكاو المصنع مخبرياً” تسويق المشروع على أنّه خطوة أخلاقية وبيئية، بحجة الحد من عمالة الأطفال، وتقليل إزالة الغابات والانبعاثات الناتجة عن الزراعة التقليدية. كما يجري الترويج له باعتباره بديلاً “مستداماً” قادراً على تأمين احتياجات الأسواق العالمية من دون التسبب بالأضرار البيئية المرتبطة بزراعة الكاكاو.

لكن هذا الخطاب يثير كثيراً من التساؤلات، خصوصاً عندما يأتي من جهات مرتبطة بـ”إسرائيل”، الكيان المتهم بقتل الأطفال في غزة ولبنان واستهداف المدنيين بشكل متكرر. فبالنسبة لكثيرين، يصعب فصل الشعارات “الإنسانية” و”الأخلاقية” التي تُرفع في هذا المجال عن المصالح الاقتصادية والسياسية الكامنة خلف المشروع.

فـ”إسرائيل” لا تدخل هذا القطاع بدافع أخلاقي بحت، بل لأنها تدرك أنّ أزمة الكاكاو العالمية فتحت الباب أمام سباق اقتصادي جديد، ومن ينجح في احتكار البديل الصناعي للكاكاو سيمتلك نفوذاً واسعاً على واحدة من أكثر الصناعات الغذائية انتشاراً في العالم.

ولا تقتصر خطورة هذا التحوّل على صناعة الشوكولا وحدها، بل تمتد إلى فكرة السيطرة على الغذاء العالمي نفسه. فمع انتقال الإنتاج من المزارع الطبيعية إلى المختبرات، تصبح الشركات الكبرى المالكة للتكنولوجيا وبراءات الاختراع صاحبة النفوذ الحقيقي على ما يأكله الناس وأسعار غذائهم، ما يفتح الباب أمام شكل جديد من الاحتكار الغذائي العالمي.

كما يخشى مراقبون أن يؤدي انتشار الكاكاو الصناعي إلى توجيه ضربة قاسية لملايين المزارعين في أفريقيا، الذين يعتمدون على زراعة الكاكاو كمصدر رزق أساسي، ما يعني أنّ “الحلول البديلة” التي تُطرح باسم حماية البيئة قد تتحول عملياً إلى وسيلة لإقصاء الدول الفقيرة من واحدة من أهم سلاسل الإنتاج الزراعي في العالم.

ولا يبدو الكاكاو سوى بداية لمسار عالمي يتجه نحو تصنيع المزيد من الأغذية داخل المختبرات، من اللحوم والحليب إلى السكر والنكهات الصناعية، تحت عناوين الاستدامة ومواجهة التغير المناخي. وهو ما يثير مخاوف متزايدة من عالم تصبح فيه الأطعمة الطبيعية تدريجياً أقل حضوراً وأكثر كلفة، مقابل توسّع المنتجات المصنعة مخبرياً والخاضعة لسيطرة الشركات الكبرى.

التوسع العالمي في مشاريع التكنولوجيا الغذائية المرتبطة بشركات “إسرائيلية”، قد يتحول تدريجياً إلى شكل جديد من أشكال التطبيع الاقتصادي غير المباشر، حيث تصبح الأسواق العالمية، بما فيها العربية، مرتبطة بمنتجات وتقنيات إسرائيلية تدخل إلى حياة المستهلك اليومية تحت عناوين “الابتكار” و”الاستدامة” و”الغذاء البديل”، بعيداً عن أي نقاش سياسي أو أخلاقي حول مصدر هذه التكنولوجيا وخلفياتها.

ولا تقتصر المكاسب المحتملة على الأرباح المالية الهائلة فقط، بل تمتد إلى تعزيز صورة “إسرائيل” كدولة تقود “حلول المستقبل الغذائي”، في وقت تواجه فيه انتقادات دولية واسعة بسبب سياساتها وحروبها في المنطقة. لذلك، يبدو الحديث عن حماية الأطفال والبيئة بالنسبة إلى منتقدين كثيرين أقرب إلى غطاء تسويقي يهدف إلى تلميع صورة مشاريع تحمل في جوهرها أبعاداً اقتصادية واستراتيجية عميقة.

ويثير الكاكاو المُصنَّع مخبرياً مخاوف صحية متزايدة، خصوصاً في ما يتعلق بالأطفال، نظراً إلى غياب الدراسات الطويلة الأمد حول تأثيره على الجسم البشري. فرغم الترويج له كبديل “آمن” وأكثر استدامة، إلا أنّ اعتماده على تقنيات حيوية ومكوّنات مُعالجة يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن انعكاساته المحتملة على النمو والصحة العامة.

ويرى منتقدون أنّ تحويل الغذاء الطبيعي إلى منتج مخبري خاضع لسيطرة الشركات الكبرى قد يجعل المستهلكين، ولا سيما الأطفال، أمام تجربة غذائية غير معروفة النتائج بالكامل حتى اليوم، خصوصاً في ظل التسارع العالمي نحو إدخال الأغذية المصنعة مخبرياً إلى الأسواق قبل اكتمال الدراسات المرتبطة بآثارها بعيدة المدى.

وتُقدَّر قيمة سوق الشوكولا العالمية بمئات مليارات الدولارات سنوياً، ما يجعل أي بديل للكاكاو الطبيعي مشروعاً اقتصادياً ضخماً تتنافس عليه الشركات والدول الكبرى مبكراً، ليس فقط لتحقيق الأرباح، بل لامتلاك النفوذ داخل واحدة من أكثر الصناعات الغذائية انتشاراً واستهلاكاً في العالم.

وبين أزمة الكاكاو العالمية، وسباق الشركات نحو إنتاج بدائل مخبرية، لا يبدو العالم متجهاً فقط نحو تغيير طريقة صناعة الشوكولا، بل نحو إعادة تشكيل مفهوم الغذاء نفسه. فحين تتحوّل الأزمات إلى فرص استثمارية، وتُستخدم الشعارات الإنسانية والبيئية لتسويق مشاريع تقودها قوى متهمة بالحروب وقتل الأطفال، يصبح السؤال الحقيقي: هل الهدف إنقاذ العالم من أزمة غذاء… أم احتكار غذائه ومستقبله؟

فالمعركة المقبلة قد لا تكون فقط على النفط أو الطاقة، بل على من يملك القدرة على إنتاج الطعام نفسه، والتحكم بما يصل إلى موائد البشر حول العالم.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” اضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img