spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"بازار" العفو العام: حسابات الطوائف.. أم عدالة الدولة؟

“بازار” العفو العام: حسابات الطوائف.. أم عدالة الدولة؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خلود شحادة |

لا يكاد ملف يختصر معنى الانقسام السياسي والطائفي في لبنان، مثل ملف “العفو العام”.

منذ سنوات، يتحول هذا الملف من قضية قانونية ـ إنسانية يُفترض أن تُقارب بمنطق العدالة والمصالحة الوطنية، إلى بازار سياسي وطائفي مفتوح، حيث تحاول كل طائفة انتزاع “حصتها” من العفو، وربط مصيرها بمصير الآخرين.

وهكذا، لم يعد الحديث عن عفو عام شامل، بل عن “مثالثة” غير معلنة تحكم النقاش: الشيعة يريدون معالجة ملفات مرتبطة بمطلوبين وقضايا ذات طابع أمني أو قضائي، السنة يريدون نهاء قضية الموقوفين الإسلاميين، فيما تضغط القوى السياسية والروحية المسيحية لفتح باب العودة أمام العملاء الفارين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد التحرير عام 2000 والذين أصبح بعضهم يخدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

هذه “المثالثة”، وإن لم تُكتب في أي نص رسمي، باتت واقعاً سياسياً واضحاً.

كل فريق يفاوض من زاويته، وكل طائفة تنظر إلى العفو كفرصة لتصفية ملفها الخاص، لا كمسار عدالة وطنية متكامل. والنتيجة، أن الملف بقي معلقاً لسنوات، لأن أي تنازل في مكان، يستدعي مقابلاً في مكان آخر.
من الزاوية الشيعية، يرتبط النقاش غالباً بملفات مطلوبين أو محكومين في قضايا متفرقة، بعضها يعود إلى سنوات الحرب أو الاشتباكات الداخلية أو ملفات مرتبطة بالسلاح وإطلاق النار والمخدرات. هذا الطرح يُقدَّم من قبل أصحابه باعتباره معالجة لآثار مرحلة طويلة من التوتر الأمني والسياسي، خصوصاً في ظل وجود مطلوبين فارين أو أحكام غيابية يعتبرها البعض مسيّسة أو غير عادلة.

أما من الزاوية السنية، فالعنوان الأكثر حساسية هو ملف الموقوفين الإسلاميين. فمنذ معارك نهر البارد وعبرا وصولاً إلى أحداث طرابلس وغيرها، تراكمت ملفات مئات الموقوفين الذين أمضى كثير منهم سنوات طويلة في السجون من دون محاكمات عادلة وسريعة. هنا، يتحول مطلب العفو إلى قضية “رفع ظلم” بنظر داعميه، الذين يتحدثون عن استنسابية واضحة في التعاطي مع هذا الملف، وعن تسييس قضائي وأمني طال شريحة محددة دون غيرها.

لكن المفارقة التي فجّرت غضباً واسعاً في السنوات الأخيرة، كانت في طريقة تعامل الدولة اللبنانية مع بعض الملفات المرتبطة بسوريين متهمين بقضايا “إرهاب”. فبينما بقي عشرات اللبنانيين الإسلاميين في السجون لسنوات طويلة، من دون محاكمات، شهد اللبنانيون عمليات إخلاء سبيل وترحيل لسوريين موقوفين بملفات أمنية خطيرة، في سياق سياسي ارتبط بمحاولات استرضاء السلطة الجديدة في دمشق بعد صعود أحمد الشرع.

هنا، بدا واضحاً بالنسبة لكثيرين أن “العدالة” في لبنان تخضع للحسابات السياسية والإقليمية، لا لمعيار قانوني واحد، وأن الأمل الذي نشأ بعد انتخاب رئيسي جمهورية وحكومة من خارج الدولة العميقة، حيث تحكم دولة القانون، تبدد مع أول اختبار للسلطة الجديدة.

فكيف يمكن تبرير الإفراج السريع عن غير اللبنانيين من المتهمين بـ”الإرهاب” والمشاركة بقتل عناصر من الجيش اللبناني، وفي الوقت عينه لا يشمل العفو العام المتهمين بنفس الملف، ويبقى لبنانيون خلف القضبان لعقد كامل من الزمن بانتظار محاكمة؟

في المقابل، يبرز الطرح المسيحي المتعلق بالعملاء الفارين إلى الأراضي المحتلة.

فمنذ انسحاب الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 وسقوط ما كان يُعرف بـ“جيش لبنان الجنوبي” بقيادة أنطوان لحد، فرّ مئات العملاء إلى فلسطين المحتلة، بعد سنوات من التعاون المباشر مع العدو الإسرائيلي. هؤلاء لم يكونوا مجرد موظفين إداريين أو مدنيين عالقين في منطقة حدودية، بل شارك قسم كبير منهم في القتال ضد اللبنانيين، وفي إدارة المعتقلات والتنسيق الأمني مع الاحتلال.

ومن هنا، يبدو طرح العفو عن هؤلاء بالنسبة لكثيرين تجاوزاً لفكرة المصالحة نفسها. إذ ثمة فارق جوهري بين موقوف لبناني يُحاكم بقضية أمنية داخلية، وبين من انشق عن الجيش اللبناني أو حمل السلاح إلى جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء وطنه. لذلك، فإن أي محاولة لوضع “عملاء لحد” في السلة نفسها مع الموقوفين الإسلاميين أو المطلوبين الآخرين، تُعتبر بالنسبة لخصوم هذا الطرح محاولة لتبييض صفحة العمالة تحت عنوان “العفو العام”.

المشكلة الأساسية أن القوى السياسية اللبنانية لا تتعامل مع الملف بمنطق الدولة، بل بمنطق المقايضة الطائفية. كل طرف يقول عملياً للآخر: “لن أمرر ملفك، إلا إذا مرّرت ملفي”. وهكذا يصبح الموقوف الإسلامي ورقة تفاوض، والعميل الهارب ورقة مقابلة، والمطلوب في قضية أمنية جزءاً من بازار أكبر. أما العدالة نفسها، فتغيب تماماً.

وفي بلد يعيش على توازنات هشة، تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى ملفات فئوية. لا أحد يناقش مثلاً: من يستحق العفو فعلاً؟ ومن ارتكب جرائم بحق اللبنانيين؟ ومن يجب أن يُحاكم مهما طال الزمن؟ بل ينحصر النقاش في سؤال واحد: ماذا ستأخذ كل طائفة؟

لهذا السبب تحديداً، يبدو “العفو العام” في لبنان مستحيلاً حتى الآن. لأن القوى السياسية لا تبحث عن عدالة شاملة، بل عن عفو مفصّل على قياس الطوائف والمصالح والتحالفات.

وبين من يريد إخراج موقوف، ومن يريد إعادة عميل، ومن يسعى إلى تسوية ملفات مطلوبين، تضيع فكرة الدولة نفسها، ويضيع معها أي معنى حقيقي للعدالة أو للمصالحة الوطنية.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضطغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img