| جورج علم |
يدنو لبنان من متغيّرين: جغرافي، وديموغرافي.
معالم الجنوب تتبدّل. الضاحية تودّع شاهقاتها. البقاع ينزف، وسائر ما تبقّى من “لبنان الكبير” مرتبك، تفرّقه الشعارات الشعبوية، وتمزّقه الخيارات الانتحارية.
ويبدو الأفق شبه مسدود.
الجغرافيا مستباحة، تقضمها المعاول الإيرانية، والكواسر الإسرائيلية.
الديموغرافيا تنوء تحت عبء مجتمع نازح، وأعباء مجتمع مضيف يعاني الأمرّين، ويخوض معركة البقاء والاستمرار، فيما يفقد البلد سيادته ومقدّراته وخصائصه و”جوامعه” المشتركة.
إلى أين؟ ماذا عن المستقبل والمصير؟
هناك عوامل ثلاثة يجب أخذها بعين الاعتبار.
الأول: إن التحول الكبير الذي حصل في سوريا لم تكتمل مواصفاته بعد، ولم تتحقق كل أهدافه، وإن كانت الريح مسعفة، والدعم العربي والإقليمي والدولي مؤاتيًا.
التحول الذي تشهده سوريا مداه لبنان، من حيث عمقه الجغرافي والسياسي والاقتصادي والمجتمعي، ذلك أن الأسباب الموجبة التي فرضت تدخلًا عسكريًا سوريًا في لبنان، برعاية دولية “لإنقاذ ما تبقّى”، لم تنتهِ فصولًا.
أُعطي اللبنانيون فرصة بعد نيسان 2005 لاختبار قوة المناعة الوطنية لديهم، وحسن تدبيرهم في بناء دولة قادرة وعادلة، وجدار وطني سميك لا تخترقه التدخلات الخارجية، ولا تثقبه الولاءات الداخلية للخارج. لكن من أُعطوا “القدرة والفرصة” كي يبنوا، انشغلوا ببناء دويلاتهم على حساب الدولة، ومارسوا الفساد بكل ألوانه وأنواعه، ونهبوا أموال الشعب، وارتكبوا الكبائر.
هذا المسار انتهى. لبنان الذي يجتاحه الإيراني والإسرائيلي والأميركي هو نسخة طبق الأصل عن الاجتياح الإيراني والإسرائيلي والأميركي لسوريا. هناك تغيّر النظام، وإن كان لا يزال في مرحلة إعادة البناء، فهل سيتغيّر في لبنان؟
كل المؤشرات توحي بذلك، لأن “لبنان المزرعة” لم يعد له مكان وفق التصنيفات الأميركية – الدولية على خريطة الشرق الأوسط الجديد، ولا بدّ من “لبنان الدولة” كبديل عن “لبنان المزرعة”.
الثاني: إن ما يجري في لبنان هو تحويله إلى “قطاع غزة رقم 2” من حيث التدمير والتهجير. المتعهدون أنفسهم، والأذرع نفسها وإن تغيّرت التسميات، والمعاول عينها. “إسرائيل” تمعن في إنجاز المهمة، وإيران توفّر لها الذرائع والدوافع، فيما الولايات المتحدة تعاين وتراقب، وتمدّ بنيامين نتنياهو بالدعم المادي والمعنوي.
ولا يتجاهل دونالد ترامب لبنان، فهو “يحبّه كثيرًا”، هكذا يعلن دائمًا، ولذلك يمنّن السلطة اللبنانية بأنه منع – ولغاية الآن – آلة الحرب الإسرائيلية من تدمير المطار والمرفأ ومنشآت الطاقة والكهرباء وسائر البنى التحتية الرئيسية.
لكن المشكلة الناشئة أن هناك تباينًا في المواقف بين الإسرائيلي والأميركي حول غزة. أولويات نتنياهو في القطاع مختلفة عن تلك التي ينادي بها ترامب، والدليل أن المرحلة الثانية من الخطة “الترامبية” لم تأخذ طريقها نحو التنفيذ وفق المهل الزمنية المحددة.
ويبقى السؤال: هل سيشمل هذا التباين في المواقف لبنان أيضًا؟
ليس من جواب قاطع ونهائي في ظل الإعصار الهائج الذي لا يزال يضرب المنطقة بعنف، ومن دون روادع.
العامل الثالث: طالبت فرنسا، قبل أيام، بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، بهدف توفير ضمانات الحماية للقوات الدولية “اليونيفيل” العاملة في الجنوب، بعد سقوط ضحايا في صفوفها بين قتيل وجريح.
ما حصل داخل الجلسة يدعو إلى القلق. لقد فقد لبنان المظلّة الدولية الوارفة التي تحميه. انكشف أمره، طفحت فضائحه، وفقد العطف والاهتمام حتى في وسائل الإعلام الغربية، بحيث لا تأتي على ذكره بخبر إلا إذا كان من حصاد الغارات والويلات.
هناك دوافع تبرّر هذه البرودة:
أولاً: العجز الذي تعاني منه الأمم المتحدة. لقد شاخت هذه المنظمة الدولية، وأدركها الوهن، ولم يعد لها من سطوة ولا من كلمة مسموعة، والدليل أن القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي حيال العديد من الأزمات المتفاقمة في العالم بقيت حبرًا على ورق.
ثانيًا: إن سياسة الردع التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء في مجالات الضرائب ورفع الرسوم الجمركية، أو التحكّم في قطاعات الطاقة والنفط التي تغذّي اقتصاديات العالم، أو شهوة السيطرة المتمادية لديه، سواء بوضع يده على نفط وغاز فنزويلا، واختطاف رئيسها من مخدعه ونقله مخفورًا إلى نيويورك، أو تهديده بالهيمنة على كندا وتحويلها إلى الولاية الـ51 التابعة للولايات المتحدة، أو طموحه للسيطرة على جزيرة غرينلاند وقناة بنما..
إن هذه السياسة التسلطية قد دفعت دول العالم إلى الاهتمام بشؤونها، ولم تترك لها مجالًا للاهتمام بشؤون الآخرين.
ثالثًا: إن الحرب الأوكرانية قد افتعلت جروحًا وقروحًا في الاقتصاد العالمي لم تُمحَ آثارها بعد. أوروبا استُنزفت بما فيه الكفاية، ولا تزال. التباعد بين ضفتي الأطلسي يزداد عمقًا واتساعًا، ويتعامل ترامب مع الحلفاء كأتباع أو أعداء، فيما الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران قد دفعت بالعالم إلى الوقوف على رجل واحدة، بانتظار النتائج والمضاعفات التي قد تترتب على مصالحه، وكيفية تجنّب التداعيات المكلفة والنتائج الكارثية.
وانطلاقًا من هذه الدوافع وغيرها، لم يعد يُنظر إلى لبنان كطارئ مغلوب على أمره أُلقي به على صفيح ساخن يؤجّج ناره الصراع الإيراني – الإسرائيلي، بل يُنظر إليه من منظار آخر: هل لا يزال حاجة وضرورة وقيمة ملحّة تفرضها توازنات الشرق الأوسط الجديد، أم أنه فقد الدور والخصوصية نتيجة الفظائع التي ارتكبها قادته بحقه، قبل تلك التي يرتكبها التناحر الحاصل فيه ومن حوله؟
وتجاه ما يجري على أرض الواقع، يصعب التكهن بالمصير والمستقبل اللذين ينتظران لبنان واللبنانيين، لكن ما يُبنى عليه يُلخّص بأمرين:
الأول: هناك تغيير جغرافي وديموغرافي يخضع له لبنان، ويصعب التنبؤ بما إذا كانت العملية “تجميلية” أو “تأسيسية” للبنان آخر.
الثاني: هذه الـ10452 كيلومترًا كانت دائمًا تحت مظلّة ترعاها، تارة عربية، وتارة أخرى أوروبية أو أميركية – أممية. ترى، هل فُقدت هذه المظلّة في وحشة هذا الظرف المصيري؟














