الإثنين, فبراير 16, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderالعلاج النفسي: من "وصمة جنون" إلى "فعل صمود"

العلاج النفسي: من “وصمة جنون” إلى “فعل صمود”

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| سامية اسماعيل |

 

لم يعد علم النفس ترفًا فكريًا، ولا العلاج النفسي رفاهية مؤجلة إلى “وقت أفضل”. ففي عالمٍ تتفاقم فيه الأزمات، وتتراكم فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بات العلاج النفسي ضرورة لصحة المجتمع ككل. ومع ذلك، لم يكن الطريق نحو الاعتراف بأهميته سهلًا، فقد مرّ عبر سنوات طويلة من الوصمة، والإنكار، والخوف من الأحكام المسبقة. في مجتمعاتنا العربية، ظلّ العلاج النفسي لعقود طويلة حبيس الصور النمطية، قبل أن يبدأ تدريجيًا بالخروج إلى العلن، مدفوعًا بتغيرات اجتماعية وثقافية عميقة. فكيف تغيّرت نظرة المجتمع؟ وما الذي كسر حاجز الصمت؟ وأين نقف اليوم؟

وفي حديثٍ خاص لموقع “الجريدة”، شرحت المعالجة النفسية مريانا نصرالله كيف تغيّرت نظرة المجتمع إلى العلاج النفسي خلال العقدين الأخيرين، مشيرةً إلى أنّ هذا التحوّل لم يكن سريعًا ولا كاملًا، بل جاء نتيجة تراكم عوامل اجتماعية وثقافية وإعلامية.

وأوضحت نصرالله أنّ العلاج النفسي كان يُنظر إليه سابقًا بنظرة سلبية قاسية، إذ ارتبط في الوعي الجمعي بـ”الجنون” أو ضعف الشخصية، وكان طلب المساعدة النفسية يُصنَّف ضمن خانة “العيب”، إذ لم يكن هناك الوعي الكافي بأهميته. في تلك المرحلة، لم يكن مفهوم الصحة النفسية منتشرًا، وكان معظم الأفراد يلجأون إلى الدعم العائلي أو الديني، أو يحاولون مواجهة أزماتهم بشكل فردي وصامت.

وأشارت إلى أنّ أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا آنذاك تمثّلت في الاعتقاد بأن العلاج النفسي مخصّص فقط لـ”المجانين” بحسب الوصف الاجتماعي، أو أنّه يقتصر على الحديث والكلام من دون نتائج ملموسة، إضافة إلى مخاوف تتعلّق بعدم الخصوصية أو باستغلال المعالج للمريض، كأن يهدده بفضح أسراره. بالإضافة إلى اعتباره حلًا مؤقتًا بلا نتائج فعلية. وأكدت أنّ هذه الأفكار، رغم تراجعها اليوم، لا تزال متجذّرة لدى بعض الفئات، خصوصًا في المجتمعات التقليدية والجيل الأكبر سنًا.

وحول أسباب التغيّر الحاصل، لفتت نصرالله إلى دور التوعية الإعلامية وانتشار المحتوى النفسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما لعبت مشاركة الشخصيات العامة والمشاهير لتجاربهم مع العلاج النفسي دورًا حاسمًا في كسر وصمة العار المرتبطة به. فحين يروي هؤلاء بصراحة تأثير العلاج الإيجابي على حياتهم، يتحول الموضوع من شيء مُحرج إلى أمر طبيعي ومألوف، ما يسهّل على المجتمع تقبّله، ويشجّع الأفراد على البحث عن الدعم النفسي بثقة أكبر.

كما شددت على أهمية الدراسات العلمية التي أثبتت فعالية العلاج النفسي وتأثيره الإيجابي على الصحة النفسية والجسدية، معتبرةً أنّ هذا المسار ساهم في إخراج العلاج النفسي من إطار “الترف” إلى كونه حاجة علاجية حقيقية.

وتوقفت نصرالله عند الفارق الواضح بين الأجيال، موضحةً أنّ الجيل القديم لا يزال أكثر تحفظًا ويربط العلاج بالوصمة والضعف، في حين يُظهر الجيل الشاب انفتاحًا ودعمًا للعلاج، ويرى فيه وسيلة للنمو وإدارة الحياة اليومية، إذ أن بعضهم يلجأ للعلاج فقط بسبب الضغوط الحياتية، وهذا ما يلمسه المعالجون النفسيون عياديًا من خلال الاقبال وطلب المساعدة من دون خجل والالتزام بالمواعيد، مشيرةً إلى أن الشباب باتوا يعبّرون عن مشاعرهم بشكل أكبر وأكثر انفتاحًا.

ورغم هذا التقدّم، أكدت نصرالله أنّ الوصمة لم تختفِ بالكامل، بل تظهر بأشكال مختلفة خصوصًا في المجتمعات التقليدية، من خلال السخرية، أو التعليقات السلبية التي تقلل من قيمة الشخص الذي يطلب المساعدة، أو الخوف من الحكم الاجتماعي، وربطه بـ”الجنون” كما ذكرنا سابقًا. كما يظهر ذلك أحيانًا عبر إنكار الحاجة للعلاج، واللجوء إلى بدائل غير فعّالة، فقط لتجنّب الاعتراف بالمشكلة.

وربطت هذا الخوف بما وصفته بـ “ثقافة الصمت”، إذ أن شريحة من المجتمع تعتبر الصمت والتحمّل علامة قوة، في حين يُنظر إلى طلب الدعم كضعف. إضافةً إلى نقص الوعي حول ماهية العلاج النفسي وأهدافه. ومع ذلك، أشارت إلى أنّ الحديث عن الصحة النفسية أصبح أكثر حضورًا في المجال العام، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، وإن ظلّ محدودًا لدى بعض الفئات العمرية والمحافظة.

أما عن الأسباب التي تدفع الناس اليوم لطلب المساعدة النفسية، فأوضحت نصرالله أنّ القلق والاكتئاب يتصدّران المشهد، إذ أن الدراسات تظهر أن هذين الاضطرابين هما الأكثر شيوعًا، إلى جانب ضغوط الحياة اليومية المرتبطة بالعمل والدراسة والعلاقات الشخصية، ما يدفع الإنسان إلى البحث عن أدوات تساعده على التكيف، يتعلمها من خلال العلاج. كما يزداد عدد الأشخاص الذين يلجأون إلى العلاج بهدف النمو الشخصي، وفهم الذات، وتحسين جودة الحياة، وفهم المشاعر، وتحسين مهارات التأقلم، وليس فقط لمعالجة اضطرابات محددة.

ولم تفصل نصرالله هذا الإقبال المتزايد عن السياق اللبناني العام، معتبرةً أنّ الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى العدوان الإسرائيلي الأخير، والأوضاع الاقتصادية الصعبة، فرضت واقعًا نفسيًا ضاغطًا، دفع الكثيرين إلى طلب الدعم النفسي في مراحل مبكرة.

وفي حديثها عن دور وسائل التواصل الاجتماعي، رأت أنّها لعبت دورًا مزدوجًا، إذ ساهمت في كسر الوصمة ونشر الوعي، وتشجيع الأشخاص على طلب المساعدة ومشاركة تجاربهم، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام محتوى غير دقيق، مثل التشخيص الذاتي أو التعميم الخاطئ للتجارب والمقارنة بينها، ما يستدعي التشديد على أهمية أن يكون المحتوى النفسي صادرًا عن مختصين.

أما عن الإعلام ودوره، اعتبرت أن الإعلام يمكن يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في نشر الوعي بالصحة النفسية، من خلال تقديم محتوى علمي موثوق ونقل تجارب وقصص واقعية، وكذلك توضيح الفارق بين العلاج النفسي المهني والدعم العاطفي العام.

وأوضحت نصرالله أن العلاج النفسي المهني هو مسار علمي وآمن، يصدر عن مختص، ويساعد على فهم أنماط الفرد وصدماته ومعاناته، ويعمل على التغيير العميق، بينما الدعم العاطفي العام مفيد للتخفيف من الضغط والشعور بالوحدة، ويصدر من أشخاص مقربين، كالأصدقاء والعائلة، والشريك، لكنه لا يعالج الجذور العميقة للمشكلة.

واعتبرت أن الإعلام التثقيفي لا يكتفي بتقريب العلاج النفسي من الناس فحسب، بل يساهم أيضًا في كسر الوصمة المرتبطة به، ويشجع الأفراد على طلب المساعدة بثقة أكبر.

وعن المستقبل، توقعت نصرالله أنّ خلال 5 إلى 10 سنوات سيصبح العلاج النفسي جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، كالرياضة والتغذية، مع احتمالية تقبّل الجيل الأكبر له تدريجيًا، وانكسار الوصمة الاجتماعية المرتبطة به.

أما لمن يتردد في طلب العلاج، فوجهت رسالة مباشرة، قائلةً: “العلاج النفسي هو أهم قرار يمكن أن يتخذه الشخص في حياته، فهو خطوة شجاعة نحو تحسين الذات وإدارة التوتر والمشاعر والغضب، ودليل مسؤولية تجاه نفسك”.

كما شجعت نصرالله أولياء الأمور المترددين، معتبرة أن “الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، والتدخل المبكر يزود الفرد بأدوات التأقلم ويقلل من تفاقم المشاكل مستقبلاً، ويوفر ادوات للتعامل مع المشكلة بشكل صحي”.

وأشارت إلى الدور المجتمعي الكبير في دعم الصحة النفسية، من خلال رفع الوعي النفسي، إذ أن المجتمع بحاجة لأن يفهم أهمية الصحة النفسية كجزء طبيعي من الحياة اليومية، بالإضافة إلى توسيع حملات التوعية في المدارس والجامعات والشركات، وتوفير خدمات علاجية متاحة بجودة عالية وبأسعار مناسبة، مع التركيز على الحوار المفتوح والتدخل المبكر للأطفال والشباب، لتطوير مهارات التأقلم.

العلاج النفسي ليس موضة عابرة، ولا حلًا سحريًا، إنما مسار إنساني شجاع نحو فهم الذات والعيش بوعي أكبر. فالمجتمع الذي يعترف بأهمية الصحة النفسية هو مجتمع يستثمر في أفراده، لا يخجل من حاجتهم للدعم، ولا يختزلهم في أزماتهم.

ربما لا تزال الوصمة موجودة، لكن تصدّعها بدأ يظهر بوضوح. ومع كل حوار صريح، وكل تجربة مُعلنة، وكل طلب مساعدة بلا خجل، نقترب خطوة إضافية من مجتمع يرى في العلاج النفسي حقًا أساسيًا، لا تهمة.

وفي بلدٍ أنهكته الأزمات، قد يكون الاعتناء بالصحةالنفسية ليس فقط فعل شفاء فردي، بل شكلًا من أشكال الصمود الجماعي.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/DNRkhx5vUMsFgGFcWAYjg8

 

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img