| جورج علم |
نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لغاية الآن، بالسيطرة على النفط الفنزويلي، وبنسبة مرتفعة.
إنتقل إلى النفط الإيراني، يريد الإمساك بمفاصله، ضمن صفقة تلبّي كل المطالب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة. ولا مانع من أن تتمّ مع النظام القائم، إذا ما تجاوب، وإمتثل، أو مع نظام بديل، إذا ما رفض النظام الحالي.
ما يريده ترامب، منع الصين من الإعتماد على النفط الفنزويلي، والإيراني، وقطع الإمدادات التي تغذّي مصانعها بالطاقة، لشلّ قدراتها.
وهذا يشكّل أولويّة طموحاته، إلى جانب أولويات أخرى بينها، الملف النووي، والمقدار المسموح به لتخصيب اليورانيوم. والإمتثال إلى مطالب الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة. وملف الصواريخ الباليستيّة. والدور المسموح لإيران في الإقليم، من غزّة، إلى اليمن، مروراً بلبنان، وسوريا، والعراق. وفتح مجالات التعاون مع طهران وفق مقتضيات المصالح.
إنتهت حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي 2025، تحت شعار “الحدّ من الخسائر”. ولم تنته إستناداً إلى “تسوية” واضحة المعالم. وراح كل طرف يدّعي الإنتصار، والغلبة. وإستفادت الصين من الوضع الناشئ، وبادرت إلى الإستفادة من النفط الإيراني المكبّل بعقوبات أميركيّة ـ دوليّة، في الوقت الذي كانت فيه طهران منشغلة بإعادة بناء قدراتها العسكريّة، والدفاعيّة، وإعمار ما تهدم من منشآتها الحيويّة، وأطلّت في 9 كانون الأول الماضي 2025 على الولايات المتحدة و”إسرائيل” من موقع التحدي، عندما إستضافت طهران الإجتماع الثالث الصيني ـ السعودي ـ الإيراني إحتفاء بالتفاهم الذي تمّ بين السعوديّة وإيران، والذي رعته الصين في آذار من العام 2023، وتمّ بموجبه إعادة العلاقات الدبلوماسيّة.
وعلى وقع هذه التطورات، حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نهاية كانون الأول الماضي، إلى منتجع مارالاغو، خطة عسكريّة للهجوم على إيران، وعرضها على الرئيس الأميركي، وكبار معاونيه.
لم تتوافر معلومات مدقّقة حول حقيقة ما حصل من تفاهمات خلال تلك الخلوة التي إستمرت أياما عدّة، لكن بعد عودة نتنياهو إلى تل أبيب، أقدم ترامب في 3 كانون الثاني الجاري على خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقله مخفوراً إلى نيويورك، وبدأ بمحاكمته، ووضع يده على منابع النفط، وباشر التحكّم بعائداته.
وفيما كان العالم منشغلاً بما يجري على المسرح الأميركي ـ الفنزويلي، إندلعت الإنتفاضة الشعبيّة في العاصمة الإيرانيّة، والمدن الكبرى، وكان التدخل الأميركي ـ الإسرائيلي واضحاً، وسارعت القيادة الإيرانيّة إلى الاتصال المباشر بواشنطن، طالبة الحوار، تلافياً للتداعيات الخطيرة على النظام، ومصير ومستقبل البلاد والعباد.
أمسك الرئيس ترامب العصا من وسطها، لم يرفض الحوار، لكنه هدّد، وتوعّد بالتدخل الصادم لتحسين دفتر شروطه، وحمل القيادة الإيرانيّة على الإمتثال، وقبول ما كانت ترفضه سابقاً، وتعتبره من “المسلمات” و”المقدسات”.
وفي ظلّ الأبواب المشرّعة على كل الإحتمالات، بادر الرئيس الأميركي إلى الهجوم على الدول التي تستفيد من النفط الإيراني، وفرض ضريبة إضافيّة بنسبة 25 بالمئة على صادراتها. وتأتي الصين في الطليعة.
وتقول صحيفة “واشنطن بوست”، أيّاً تكن الخيارات، سواء أكانت عسكريّة، أو تفاوضيّة، ستنتهي الأمور إلى صفقة، تلبي الشروط الأميركيّة ـ الإسرائيليّة، سواء مع النظام، إذا ما امتثل وتجاوب، أو مع نظام بديل يفرض كأمر واقع”.
وتضيف أن “ما جرى مع كاراكاس، يجري الآن مع طهران، وأي إسلوب سوف يعتمد، يفترض أن يؤدي إلى تحقيق الأهداف المرسومة”.
ما هي التداعيات المحتملة على المنطقة، ولبنان؟
القراءات المتداولة مختلفة، ومعظمها يؤكد أن الإفتراضات لا تؤدي إلى نتائج محسومة، طالما أن التطورات لم تكتسب أشكالها، وأحجامها بعد، ولا النهايات التي سترسو عليها. لكن حتى الماضي القريب، كانت كلّ من طهران، وتل أبيب تقودان معاً تدمير المكانة والإمكانات العربيّة. وعندما كان المسؤول الإيراني يطلّ متباهياً بسيطرة إيران على أربع عواصم عربيّة، والتحكّم بقرارها، ومسارها، كانت “إسرائيل” بدورها تمعن قصفاً، وتدميراً، وترويعاً في غزّة، والضفة الغربيّة، ولبنان، وسوريا، واليمن. والمفارقة أن الطرفين يرفعان مداميك العدواة بينهما، فيما يشكلان وجهين لعملة واحدة، ويلتقيان على هدف واحد ألا وهو تدمير الدول العربيّة، وإفساح المجال أمام التدخلات الخارجيّة كي تبتّز، وتستفيد من أموالها، وثرواتها، وطاقاتها، وإمكانتها بحجج مختلفة، بينها حماية الأنظمة، أو تأييد قضاياها المحقّة، وفي طليعتها القضيّة الفلسطينيّة!
وأيّا تكن طبيعة التطورات، فإن إيران ما بعد الإنتفاضة ليست كما قبلها. سواء تمكّن النظام من الإستمرار، أو فقد مقومات الإستمراريّة.
إيران أمام منعطف مصيري، وكل الطرق تؤدي ـ وفق السيناريو المرسوم ـ إلى “صفقة” تراعي الشروط، والمطالب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة، كنتيجة حتميّة لحرب 12 يوماً، حيث يدّعي كلّ طرف بأنه قد خرج منها منتصراً!
ماذا عن لبنان؟
بما أن البلد لا يزال عالقاً بين المطرقة الإسرائيليّة، والسندان الإيراني، وبما أن السلاح المتفلّت قد حوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الأميركيّة ـ الإسرائيليّة ـ الإيرانيّة، فإن الإنعكاسات ستكون خطيرة إذا ما تمادت “إسرائيل” بتغيير خرائط “سايكس ـ بيكو”، وبدعم مباشر من الولايات المتحدة، لتحقيق حلم نتنياهو “الروحاني” بإنشاء “إسرائيل الكبرى”.
وعلى الطريق، هناك نقاط ثلاث لا يمكن تجاهلها:
الأولى: إن سلاح “حزب الله” ـ وحتى إشعار آخر ـ ستستخدمه “إسرائيل” كذريعة للتمادي بإعتدءاتها. وهذه الحقيقة يعرفها الحزب تماماً، ويتجاهلها بخطاب الإنكار.
الثانية: أي تسوية، ما بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، ستؤدي إلى علاقات “تطبيعيّة” بين إيران و”إسرائيل”. وهذه ستكون لها حسابات جديدة في “الشرق الأوسط الجديد”.
الثالثة: إن الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم قد أعطى “ضمانات” لـ”إسرائيل”. لقد أعلن في 11 ـ 11 ـ 2025 ما حرفيته “لا خطر على المستوطنات الشماليّة”! لماذا التمسك بالسلاح إذاً؟ وهل الهدف هو الإنخراط في مشروع تغيير الخرائط؟!













