| المحرر السياسي |
يمارس الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجية رجل الأعمال في السياسة والحرب: يضغط، يطرح شروطه، يصعّد، يباغت، يتراجع، يطرح المقايضة… ثم ينتقل مباشرة إلى منطق الصفقة وأثمانها!
لكن هذه الاستراتيجية التجارية التي قد تنجح في السياسة، هي أقرب إلى اللعب على حافة الهاوية في الحرب.
كل ما حصل خلال الأيام والساعات الماضية، يوحي أن المنطقة على حافة مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
التحركات العسكرية الأميركية العلنية جاءت بمثابة رسائل ضغط، لكنها أيضاً رفعت من منسوب التوقعات بأن الحرب حتمية، خصوصاً أن الإدارة الأميركية تعمّدت تسريب معطيات عن “خيارات جاهزة”…
لكن، وعلى الرغم من الانطباع القوي بأن الضربة باتت مسألة وقت، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلط الأوراق، وأدلى بتصريحات أوحت بفتور الحماسة للخيار العسكري، وفتح باب التساؤل: هل تراجعت واشنطن فعلاً، أم أننا أمام فصل جديد من سياسة الضغط القصوى؟
لا يفصل ترامب بين السياسة والعسكرة، بل يستخدم القوة ـ أو التلويح بها ـ كأداة تفاوض لا كغاية بحد ذاتها. التجربة مع كوريا الشمالية، ثم مع إيران عام 2019 حين تراجع عن ضربة في اللحظة الأخيرة بعد إسقاط طائرة أميركية مسيّرة، تؤكد أن التصعيد عند ترامب غالباً ما يكون مقدمة لإعادة التموضع، لا إعلان حرب.
التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُّخذ. في العقيدة الأميركية، رفع الجاهزية ونقل القطع العسكرية يهدفان أولاً إلى تعزيز الردع وفتح قنوات الضغط القصوى، وليس إلى التنفيذ التلقائي. بهذا المعنى، تتحرك واشنطن عسكرياً كي لا تضطر إلى استخدام القوة فعلياً، وهو تناقض يبدو ظاهرياً لكنه من صلب التفكير الاستراتيجي الأميركي.
أما تصريحات ترامب المهادِنة نسبياً، فلا يمكن قراءتها كتراجع نهائي، بل كجزء من إدارة إيقاع الأزمة. فهو يسعى إلى نقل عبء التصعيد إلى الطرف الآخر، وإظهار نفسه داخلياً على أنه رئيس قوي لا يتسرع في الزج بالولايات المتحدة في حرب جديدة، في لحظة سياسية حساسة.
من هنا، قد لا تكون المنطقة تعيش “ساعة الصفر”، بل مرحلة عضّ أصابع محسوبة. الضربة لم تُلغَ، لكنها ربما لم تعد وشيكة. القرار الأميركي ما زال معلّقاً على سلوك إيران وحلفائها، وعلى ما إذا كانت التطورات ستبقى تحت سقف الرسائل المتبادلة، أم أن حادثاً مفاجئاً قد يفرض على الجميع مساراً لم يكن مرغوباً به. إلا إذا كان ترامب، في المقابل، يمارس الخديعة السياسية تمهيداً لمباغتة عسكرية، وهو احتمال لا يمكن استبعاده في سلوكيات الرئيس الأميركي.













