| المحرر السياسي |
تقف “إسرائيل” في موقع القلق، لا المبادرة، وهي تراقب التصعيد السياسي المتقلّب بين واشنطن وطهران.
تدرك “إسرائيل” أن توجيه ضربة عسكرية لإيران لن يسقط النظام السياسي، ولا حتى يحجمه إلى حد التخلي عن حلفائه. النتيجة المحتملة هي تكرار حرب الـ12 يوماً، متبوعة باتفاق على وقف إطلاق النار يفرض “قواعد اشتباك” جديدة. أي اتفاق جديد سيكون بالنسبة لـ”إسرائيل” خسارة، وبالنسبة لخصومها انتصاراً، لأنه سيقيّد التحرك العسكري الحالي في لبنان بشكل خاص، وفي المنطقة بشكل عام.
وعلى الرغم من الخطاب الناري الذي يعلو في بعض الأوساط الإسرائيلية، تشير القراءة داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية إلى خشية حقيقية من مرحلة رمادية: لا “ضربة قاضية”، لا حرب شاملة تُحسم، ولا تهدئة مستقرة تُبنى عليها حسابات طويلة الأمد.
ما تخشاه “إسرائيل” في هذه اللحظة ليس الضربة الأميركية بحد ذاتها، بل غيابها. فالتلويح بالقوة من دون تنفيذ، إذا طال أمده، يفتح الباب أمام تآكل “الردع”، ويمنح إيران وحلفاءها هامش اختبار متزايد للخطوط الحمراء، سواء عبر عمليات غير مباشرة أو تصعيد مدروس على أكثر من جبهة.
تدرك “إسرائيل” أن أخطر السيناريوهات هو الانزلاق التدريجي نحو مواجهة متعددة الساحات، تبدأ بحادث محدود ولا تنتهي حيث أرادها أحد. جبهة لبنان تبقى في صدارة هذا القلق، ليس فقط بسبب القدرات العسكرية القائمة، بل لأن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل الاحتكاك المضبوط إلى مواجهة واسعة لا تملك تل أبيب ترف إدارتها وحدها.
تُقرأ التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة بعيداً من منطق التنفيذ الفوري. فالجيش الأميركي يتحرك لأنه لا يستطيع تحمّل كلفة الجمود. الجاهزية العسكرية أداة ضغط ورسالة مزدوجة: إلى الخصوم بأن الخيارات مفتوحة، وإلى الحلفاء بأن واشنطن لم تنسحب من المشهد، حتى وإن بدت تصريحاتها السياسية أقل حماسة للمواجهة.
التحرك العسكري، في هذه الحالة، لا يعني أن القرار السياسي قد اتُّخذ، بل على العكس، هو محاولة لتأجيل القرار عبر رفع منسوب الردع. فواشنطن تسعى إلى الإمساك بزمام التصعيد من دون الوقوع في فخ الحرب، وهي معادلة شديدة الهشاشة، لكنها الخيار الأقل كلفة في ميزان المصالح الأميركية الحالية.
أما لبنان، فيقف مرة أخرى عند تقاطع الرياح الإقليمية. ليس طرفاً في القرار، لكنه حاضر في الحسابات. أي تصعيد كبير لن يكون منفصلاً عن ساحته. وفي المقابل، فإن بقاء المواجهة ضمن سقوف مضبوطة لا يعني الأمان، بل استمرار حالة الاستنزاف والقلق المفتوح.
الخلاصة أن المنطقة تعيش ساعات انتظار ثقيل: “إسرائيل” تخشى فقدان السيطرة، الولايات المتحدة تضغط من دون حسم، وإيران تراقب وتختبر. بين هذه القوى، يتأثّر لبنان مباشرة لأنه في خط المواجهة. المشهد يبقى هشاً، وأي تصعيد صغير قد ينعكس بسرعة على المنطقة كلها.













