| خلود شحادة |
استطاعت الأوضاع الأمنية في لبنان، أن تحوّل بعض “المحلّلين” السياسيين في لبنان إلى ما يشبه “نسخة بروفيشنال” من ليلى عبد اللطيف وميشال حايك، لكن ببدلات رسمية ولغة أكاديمية. يتحدثون بثقة مطلقة عن أحداث مستقبلية. يحدّدون مواعيد تقريبية للحرب، ويقدّمون سيناريوهات حاسمة، وكأنّ السياسة غرفة مغلقة لديهم مفاتيحها.
هذا النوع من التحليل، الذي يستعير روح “التنجيم” من دون الاعتراف بها، يحوّل الاستنتاج إلى “نبوءة”، ويختصر الواقع المعقد في جملة مثقلة بـ”اليقين”، ويعتمد أسلوب “الصدمة” لعلها تترك صدى. المشكلة ليست فقط في الخطاب نفسه، بل في أن هذا الأسلوب يجرّد التحليل السياسي من مضمونه المهني القائم على قراءة الوقائع، لا صناعة توقعات، فيصبح الجمهور أمام “ليلى عبد اللطيف سياسية” تقدم المستقبل على هيئة استنتاج محسوم، بينما الواقعين الأمني والسياسي أبعد ما يكون عن الحتميات.
هذه “العروض التوقعية” تخلق ضوضاء تُربك المتابع، فتغدو الحرب “أمراً واقعاً”، لا مسارًا سياسيًا ـ أمنيًا معقدًا تُحرّكه حسابات تتجاوز مزاج نجوم “رأس السنة” بكثير. وهنا يصبح من الضروري العودة إلى القراءة الجدية لموضوع الحرب، بعيدًا عن الإثارة التلفزيونية، وأمنيات البعض!
في ربيع 2025، روّج البعض لحرب محسومة، ستشتعل فور انتهاء العام الدراسي في حزيران، نظراً لأن “إسرائيل الحنونة” لا تريد أن تحرم الطلاب من عامهم الدراسي.
كذبت نبوءتهم!
بدأ الترويج لحرب محسومة نهاية آب.. وكأنّ “إسرائيل” ستنتظر قراراً حكومياً لبنانياً ليردعها من شنّ حرب موسّعة، واستغلّ البعض هذه الدعاية، للضغط في سبيل البدء بتنفيذ خطة سحب السلاح.
ومرَّة جديدة.. كذبت نبوءتهم!
اليوم، احتمال عودة العدوان الاسرائيلي مسألة تُناقش بعمق لدى رؤوس الهرم، إن كان من الجانب اللبناني أو من الجانب المعتدي المتمثل بـ”إسرائيل”، نظرًا لتراكم عوامل محلية وإقليمية تشي بأن الساحة اللبنانية ليست بمنأى عن تصعيد كبير.
“إسرائيل”، التي تملك حرية شبه كاملة في الأجواء اللبنانية، تستغلّ هذا التفوّق الجوي لتعزيز الضغط الاستراتيجي على “حزب الله”. غير أنّ هذه القدرة لم تمنحها يومًا القدرة على حسم المواجهة، بل دفعتها إلى البحث عن طرق أخرى لكسر الحزب داخل بيئته، سواء عبر الضربات النوعية أو عبر الحرب النفسية المتواصلة التي تستهدف ثقة “جمهور المقاومة” بقيادته، عبر التهويل بـ”الكارثة المرتقبة”، وعبر التشكيك بقدرة الحزب على حمايتهم في حال اندلاع حرب شاملة.
في المقابل، يدرك “حزب الله” أن “إسرائيل” لا تبحث فقط عن ردع، بل عن لحظة مناسبة لتحقيق ضربة قاصمة، بعد محاولات جمّة في هذا السبيل.
لذلك يتعامل بتأنٍّ شديد، فهل هو جاهز عسكرياً؟ أم ما زال يعاني من “ترقيع” الخرق الأمني الكبير الذي مُني به؟ وهو مدركٌ اليوم أن خطة الحرب المعتمدة خلال حرب الإسناد وعدوان أيلول، لن تفي بالغرض، لذلك تعمل قيادته على “اسراتيجية دفاعية” جديدة محاطة بالصمت التام.
صمتٌ، يؤرقه بعض التحليل المدّعي أنه “معلومة”!
رغم ذلك، يرى الحزب أنّ الحرب ـ إن فُرضت ـ قد تشكل فرصة لإعادة تثبيت موقعه في الداخل والخارج، عبر تحقيق نصر يُعيد رسم التوازن الإقليمي، خصوصًا بوجود دعم إيراني مباشر، وتدخل إيراني مباشر يفترض أن يحصل. لذلك يعتبر أنّ المواجهة مع “إسرائيل” ليست خيارًا، بل هي جزء من الاشتباك الواسع في المنطقة، التي تجعل منه واقعاً لا مفرّ منه.
لكن السؤال الجوهري: هل الحزب جاهز فعلًا لخوض حرب بالمعنى الكامل الآن؟
أعلن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة ستردّ حتماً على اغتيال الطبطبائي، لكنها هي من تحدد موعد هذا الرد، مؤكداً بذلك أن لا أفق محدداً لموعد الحرب المرتقبة، والموضوع مرتبط بعدة عوامل تكتيكية واستراتيجية.
القراءة الواقعية تقول إن الجهوزية العسكرية موجودة، لكن الجهوزية الأمنية أكثر تعقيدًا. والحزب لن يبادر إلى حرب في توقيت لا يخدم حساباته، وهذا ما أكده الشيخ قاسم. من هنا يبدو أن احتمال “تأجيل الحرب” بالنسبة إليه خيار قائم، إن لم تتطور الظروف إلى مستوى يجعل المواجهة حتمية، ورابحة.
فهل يمكن الجزم بأن الحرب ستقع؟ الجواب: نظريًا لا.
التطورات الإقليمية متحرّكة. أي خطوة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية من جهة، أو ايران والسعودية من جهة أخرى، قد تغيّر الإيقاع في لحظة.
ولكن، ماذا عن التصعيد الاسرائيلي المرتبط بالتوقيت، وتحديداً الشهر الأول من العام 2026؟
هذا التحديد الزماني مرتبط بعامل واحد، وهو المهلة الزمنية التي وضعتها الحكومة اللبناني لخطة سحب السلاح من جنوب الليطاني، وهي ما يرتكز عليها العدو الاسرائيلي في عملية “ابتزازه” وترهيبه للبنان، دولة وشعباً.
وعلى مبدأ المثل الشعبي القائل “يلي بجرّب المجرّب، بيكون عقله مخرّب”، لا بدّ من قراءة واقعية للخطاب الصهيوني، والذي يتّسم دائماً بالغدر.
شنّ العدو الاسرائيلي حرب 23 أيلول في أعلى مراحل الطمأنة الأميركية بأن “إسرائيل” لا تريد حرباً.. وهذا يعني أن الخطاب لا يعني بالضرورة التطابق مع المخطط الصهيوني، بل يمكن في كثير من الأحيان أن يكون آلة ضغط في سبيل تحقيق أهدافها بإنهاء “حزب الله” في وجدان بيئته، أكثر من إنهائه عسكرياً، عبر وضع هذه البيئة بين سندان الغارات اليومية المتنقلة، ومطرقة الحرب المفتوحة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد الحرب بشكل نهائي، لأن ذلك أمر غير منطقي. لكن التعامل مع التهديد كما لو أنه حتمي، أيضًا غير دقيق، ويسهم في ترويج الدعاية الصهيونية.
في المحصلة، لبنان يقف أمام مشهد متقلّب، حيث تختلط الحسابات الداخلية بالإقليمية، وتتصارع إرادات القوى الكبرى على أرض صغيرة ومنهكة. وبين ضجيج توقعات “المنجّمين” وضبابية الميدان، يبقى العامل الحاسم الوحيد هو ميزان المصالح الفعلي بين “إسرائيل” والولايات المتحدة الاميركية.
لكن.. من يملك “كلمة سرّ” الحرب؟
هذه ليست لعبة رؤى، بل صراع بارد وساخن في آن، تُدار حساباته في غرف مغلقة، لا في استوديوهات التلفزيون، وعلى ألسنة بعض المحللين “الببغائيين” الذين يستنسخون التكهّنات، ويطلقونها بصيغة “النبوءة” في جمل فجّة كي تتناقلها وسائل التواصل الإجتماعي للتهويل.. أو للتسلية!.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على “واتساب” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c













