| “الجريدة” |
مع انطلاق العام الدراسي 2026-2025، تعود قضية ارتفاع الأقساط في الجامعات والمدارس الخاصة إلى الواجهة، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تطال معظم الأسر اللبنانية. وبينما تتذرّع إدارات الجامعات والمدارس بحاجة المعلمين إلى “رواتب عادلة”، يرى المعلمون أن وعود التحسين لم تُترجم فعليًا، فيما تشير مصادر في وزارة التربية إلى عجز فعلي في الرقابة على الموازنات الجامعية والمدرسية.
زيادات بين 20 و35% على الأقساط
بحسب المعلومات المتوفرة لموقع “الجريدة”، فإن الزيادات على الأقساط الجامعية والمدرسية للعام الدراسي الحالي، تراوحت فعلياً بين 20 و35% في عدد كبير من الجامعات والمدارس الخاصة، رغم دعوات نقابة أصحاب المدارس الخاصة إلى حصرها بسقف 25%. وقد تجاوزت بعض المؤسسات هذا السقف بحجج متعددة، منها تغطية الأكلاف التشغيلية الجديدة والامتثال لقانون 12/2025، ما فاقم الضغوط على الأهالي الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن مواجهة تصاعد التكاليف، من دون أن يقابل ذلك تحسّن ملموس في مستوى التعليم أو أوضاع المعلمين.
في هذا السياق، تزعم إدارات المدارس أن الزيادة على الأقساط ليست عشوائية، بل تندرج في إطار خطة متدرجة بدأ تنفيذها منذ العام 2021، بعد الانهيار الحاد في قيمة الليرة اللبنانية.
قانون 12/2025: عامل إضافي لزيادة الكلفة
أحد أبرز أسباب الزيادة في الأقساط هو تطبيق قانون 12/2025، الذي بدأ العمل به في الأول من تشرين الأول 2025، ويُلزم المدارس بالتصريح عن مجمل الرواتب والمساعدات، سواء بالليرة أو بالدولار، واحتساب كافة الاشتراكات والضرائب على هذا الأساس.
في السابق، كانت الاشتراكات تُحتسب فقط على الراتب بالليرة. أما اليوم، فستُفرض نسب إضافية: 6% لصندوق التعويضات من المدرسة و6% من المعلم، و8% للضمان الاجتماعي من المدرسة و3% من المعلم، بالإضافة إلى ضريبة الدخل التي تُقتطع مباشرة من راتب المعلم”.
المعلمون: نسمع عن زيادات… ولا نراها
في المقابل، يرى عدد من المعلّمين أن هذه الزيادات على الأقساط لم تنعكس فعلياً على رواتبهم أو أوضاعهم المعيشية، مؤكدين أن المعلم لا يزال الحلقة الأضعف في القطاع.
يقول أحد المعلمين في مدرسة خاصة: “كل عام نسمع أن الزيادة على الأقساط هي لتحسين رواتبنا، لكن المعاشات ما زالت كما هي. لا تغطية صحية، لا بدل نقل كافٍ، ولا راتب يفي بالحاجات الأساسية”.
ويضيف: “المدارس تستخدم اسم المعلم لتبرير الزيادات، لكن الحقيقة أننا لا نستفيد فعلياً. نطالب بالشفافية وبآلية رقابة حقيقية تضمن أن حصة من هذه الزيادات تصل إلينا”.
ويؤكد أنه “لا يمكن الحديث عن جودة التعليم طالما المعلم غير مرتاح. استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من الهجرة والانهيار في الجسم التربوي”.
الوزارة: غياب الرقابة سببه نقص الموارد
من جهته، كشف مصدر في وزارة التربية والتعليم العالي لموقع “الجريدة” أن مراقبة الموازنات المدرسية في القطاع الخاص “تكاد تكون مستحيلة حالياً، نظرًا للفارق الكبير بين حجم العمل والقدرات الإدارية المتاحة”.
وقال المصدر: “عدد موظفي مصلحة التعليم الخاص لا يتجاوز السبعة، بينما هناك أكثر من سبعة آلاف مدرسة خاصة في لبنان. من غير الواقعي أن يتمكن هذا العدد من التدقيق الفعلي في كل الموازنات أو متابعة الشكاوى والزيادات”.
وأضاف أن “أعمال الرقابة تتطلب وقتاً وخبرة ومتابعة ميدانية مستمرة، وهي غير ممكنة في ظل الإمكانات الحالية، ما يفتح المجال أمام ثغرات في الشفافية وغياب المحاسبة في عدد كبير من المؤسسات”.
وتابع: “نحتاج إلى خطة لإعادة هيكلة مصلحة التعليم الخاص، وتوسيع الكادر البشري، وتطوير أدوات رقمية متقدمة للتدقيق والمراقبة، حتى تتمكن الوزارة من لعب دورها الحقيقي في تنظيم العلاقة بين المدارس والمعلمين والأهالي”.
الجامعات الخاصة: التحديات تمتد إلى التعليم العالي
ولا تقتصر أزمة ارتفاع التكاليف التعليمية على المدارس الخاصة فقط، بل تمتدّ لتشمل الجامعات الخاصة، التي شهدت بدورها زيادات كبيرة في الأقساط. فبعدما أصبحت معظم الأقساط تُحتسب بالدولار، بات الحد الأدنى للفصل في عدد من الاختصاصات يتجاوز الـ8000 دولار سنوياً، ما جعل التعليم الجامعي الخاص خارج متناول شريحة واسعة من الطلاب اللبنانيين.
وفي هذا السياق، يشكو الطلاب من غياب أي خطط دعم أو منح دراسية جامعية كافية، ما أدى إلى تراجع كبير في معدلات التسجيل، خاصة في الاختصاصات التي تتطلب حضوراً ميدانياً أو تجهيزات مخبرية.
وفي ظل غياب الرقابة على الموازنات الجامعية، وعدم وجود سياسة رسمية للتعليم العالي تراعي الواقع الاقتصادي للبلد، تتجه الأزمة نحو المزيد من التفاقم، مع تزايد عدد الطلاب الذين يضطرون إلى تأجيل دراستهم أو البحث عن بدائل خارج لبنان، إذا توفرت.


