الرئيسيةSliderالزلزال الكبير والدوي الهائل!

الزلزال الكبير والدوي الهائل!

| جورج علم |

لم يفاجأ الرئيس دونالد ترامب. لم تخدعه مخابراته، ولا حتى استطلاعات الرأي التي نشرتها مراكز الأبحاث. لكنه فوجئ بقوة الزلزال. كان عاصفاً، وغنياً بالرسائل التي نقلتها صناديق الاقتراع، والرافضة لرقصاته البهلوانية على وقع تقاسيم “أميركا أولاً”.

السياسة ليست مزاجاً، ولا بورصة، ولا فذلكات مطوّر عقاري، ولا هي فن الممكن لكي يتمكّن، بل لكي يفيد ويستفيد. ومن يطلّ على العالم من مشارف البيت الأبيض عليه أن يُصلح ويُصالح، ويأتي بالريح الساعفة التي تدفع بالمراكب نحو شطآن المصالح المتبادلة، لا نحو متاهات “بيرل هاربر أميركية” تستهدف موانئ الجميع!

قال الأميركيون كلمتهم في صندوقة الاقتراع. أكثريتهم مع شعار “أميركا أولاً”، ولكن ليس على الطريقة “الترامبية”، بل على طريقة القانون الدولي، والنظام الدولي، والميثاق الدولي، وعهدة الأمم المتحدة التي هي بدورها بعهدة الولايات المتحدة.

كانت الصفعة ضرورة للتخلّي عن “أحلام اليقظة”، والعودة إلى عالم الواقع. كانت الصدمة عنيفة، لكن كان لا بدّ منها لاكتشاف معالم الطريق المؤدي إلى العلاقات الرحبة، وتفادي المنزلقات القاتلة. والدليل أن الولايات المتحدة قد استيقظت صباح اليوم التالي، وقد غيّر الزلزال الانتخابي الكثير من المعالم. لم يعد الحاكم سلطاناً، أو إمبراطوراً، أو ديكتاتوراً، بل رئيساً اختارته صندوقة الاقتراع ليسوس البلاد وفق أحكام الدستور، لا وفق بورصة الأسهم.

استفاقت إدارته في اليوم التالي على تبديل في سلّم الأولويات. إنها أمام مهمة جديدة، وتحدٍّ من نوع آخر. تريد المصالحة والتصالح مع عالم عبثت بمقدراته. تريد أن يبايع “أميركا أولاً” عن قناعة واقتناع، وتبادل خدمات ومنافع، لا أن يكون هذا الـ”أولاً” على حساب مصالح الجميع!

وينتظر الشرق الأوسط حركة ديبلوماسية أميركية نشطة. أفواج من المسؤولين والمبعوثين والسفراء في طريقهم إلى “الدول الصديقة والحليفة” لإصلاح ما أفسده المزاج “الترامبي”، ولفتح الدفاتر المنسية على رفوف الانتظار، و”فلفشة” الأوراق قبل أن يطويها النسيان، ومعها المشاعر المكبوتة، والصدور الطافحة بألف سؤال وعلامة استفهام.

أين وثّقت السياسة الترامبية الوعد والعهد مع الدول التي احتضنت قواعدها العسكرية، ودعمت اقتصادها بتريليونات من الدولارات؟

أين المعاهدات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي رمت بها حروب المنطقة في سلّة المهملات؟

أين الضمانات التي نسجتها الوعود الأميركية لتشكّل مظلّة منيعة الجانب، وقد تهاوت وخارت قواها مع أول هبوب ريح؟

اقترع “تحالف مكة للدفاع المشترك” ضدّ سياسة ترامب قبل أن تقترع الأكثرية الأميركية.

أدركت باكستان، التي قادت الوساطة ولا تزال بين طهران وواشنطن، أن بحر المفاوضات يزبد، لكن زبده لا يغوي، وسرعان ما ينتهي أثره بين حصى الطموحات الاحتوائية.

وأدركت السعودية أن البوارج الأميركية المنتشرة في البحار الثلاثة، المتوسط والعربي والأحمر، لا تصدّ عنها هبوب الصواريخ المنطلقة من اليمن الشقيق.

وأدرك الجالس على عرش أتاتورك أن طائرات “أف ـ 35” الأميركية لن تحلّق في سماء أنقرة، إلا إذا حصلت على إذن مسبق من الحاكم الإسرائيلي!

زار وفد “تحالف مكة” طهران في 26 تشرين الأول المنصرم، وقبل أن يقول الأميركي رأيه في سياسة ترامب. وحققت الزيارة مجموعة من النتائج والفوائد الاستراتيجية على الصعيدين الأمني والديبلوماسي.

وكان الوفد القطري يومها في صحن الدار، كما كان الجانب المصري معنياً وداعماً ومتابعاً للعناوين والتفاصيل. وأدّت المحادثات إلى “إرساء قواعد لتأسيس منظومة أمن إقليمي مستقلة، تكون دول المنطقة فيها شريكة مباشرة في حماية مصالحها واستقرارها بعيداً عن تقلّبات السياسة الأميركية والتدخلات الخارجية”.

وجمعت المحادثات بين “الردع والحوار”، حيث أبلغ الوفد السعودي، برئاسة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، الجانب الإيراني رسمياً رفض الرياض القاطع استخدام أراضيها أو مجالها الجوي لشنّ هجمات ضد طهران من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل”. كما أبلغ وفد “التحالف” أن أي استهداف للمنشآت الحيوية أو البنية التحتية السعودية من قبل إيران أو وكلائها سيفضي إلى مواجهة مباشرة مع القوى الثلاث المجتمعة في “الحلف”، بناءً على “اتفاقية الدفاع المشترك”.

وعزّز الوفد، خلال زيارته لطهران، فرص منع الحرب الشاملة، ودعم الوساطة القطرية ـ الباكستانية للوصول إلى تسوية سلمية، وضمان وجود قنوات تواصل حيّة تمنع أي سوء تقدير أمني أو عسكري في ملفات حساسة، مثل أزمة الملاحة في مضيق هرمز وبحر العرب.

وكانت الزيارة، من حيث الشكل والمضمون، أول خروج علني من تحت المظلة الأميركية لوقف سياسة “البيزنس” التي يجيدها الرئيس ترامب، وحماية المنشآت والبنى التحتية من تداعيات أي حرب قد تحصل، بعدما أثبتت الوقائع أن السعودية، ومعها دول الخليج، قد تكبّدت ـ ولا تزال ـ أثماناً باهظة نتيجة حرب لا تريدها!

أما لبنان، الذي يرمق بعين ما يجري في محيطه، وبالأخرى ما يجري في الولايات المتحدة، فيقف بعد الزلزال الديمقراطي الكبير وسط دائرة القلق، منتظراً مكالمة من الوزير ماركو روبيو، أو رسالة يحملها سفير، ليتأكد ما إذا كان “اتفاق الإطار” قد “طار” بعد الانتخابات الإسرائيلية والنصفية الأميركية، أم لا يزال في عروقه بعض نبض؟!

شريط الأحداث