الرئيسيةSliderلبنان عند حافة الحرب على إيران.. بقرار إسرائيلي؟

لبنان عند حافة الحرب على إيران.. بقرار إسرائيلي؟

هل يملك “حزب الله” فعلاً “قرار الحرب والسلم”؟

وهل تستطيع التحذيرات المتتالية من دخوله الحرب إسناداً لإيران، منعه من اتخاذ قرار قد يكون مرتبطاً بخيارات ونتائج مصيرية؟

لكن الأهم مما تغفله الاستنتاجات التي تفترض أن “حزب الله” يمسك وحده بناصية “قرار الحرب والسلم”: هل تخلو التهديدات الإسرائيلية، والتسريبات المتعمّدة عبر الصحف الإسرائيلية، والرسائل العابرة في “البريد” العربي والدولي إلى “صندوق البريد” اللبناني، “بريئة” من “دم الحرب” ,حسابات تتصل بإشعال الحرب وتحميل “حزب الله” مسؤوليتها؟

بمعنى أوضح، هل تستهدف هذه الرسائل، بالتزامن مع التصعيد اليومي المتدرّج في الجنوب، وتكثيف حركة المسيّرات فوق بيروت والضاحية الجنوبية، استفزاز “حزب الله” ودفعه إلى ردّ يوفر ذريعة لتنفيذ قرار إسرائيلي بالحرب على لبنان، ربما يكون قد اتُّخذ سلفاً؟

ومن هنا يمكن طرح السؤال بالمقلوب: إذا كان “حزب الله” يملك قرار فتح الجبهة، فهل يعني ذلك أنه يملك أيضاً قرار منع الحرب الإسرائيلية، أم أن “إسرائيل” هي التي تحتفظ فعلياً بقرار توسيعها وفرض نتائجها على لبنان؟

لا تبدو التحذيرات المتزايدة إلى لبنان، وخصوصاً إلى “حزب الله”، من مغبة التدخل في أي مواجهة عسكرية مقبلة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد رسائل تحذيرية مرتبطة باحتمال اتساع الحرب الإقليمية. فهي تتزامن مع تصعيد إسرائيلي متواصل في الجنوب، ومع تحركات ميدانية ورسائل عسكرية لا يمكن فصلها عن مسار أوسع يستهدف إبقاء لبنان تحت الضغط، وربما تهيئة الظروف لجولة جديدة من الحرب.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير إلى منطقة الخيام، دلالة تتجاوز الطابع الميداني للزيارة. فقد أعلن أن “إسرائيل” لن تسمح لـ”حزب الله” بإعادة بناء بنيته العسكرية، وأن “أي محاولة لترسيخ وجوده أو تطوير قدراته ستواجه برد فوري وقوي”. وهي رسالة لا تقتصر على التحذير من فتح جبهة لبنانية دعماً لإيران، بل تضع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والعمليات في الجنوب ضمن إطار منع الحزب من استعادة قدراته، بصرف النظر عن تطورات المواجهة الإقليمية.

وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية: عدم دخول “حزب الله” الحرب على إيران لا يعني بالضرورة نجاة لبنان من الحرب الإسرائيلية. “إسرائيل” لا تحتاج بالضرورة إلى مشاركة الحزب في المواجهة الإقليمية كي تواصل عملياتها العسكرية في لبنان، أو لتبرير توسيعها. وقد يكون التحذير من تدخله محاولة استباقية لنقل مسؤولية أي تصعيد مقبل إلى الحزب، بحيث تظهر الحرب الإسرائيلية، إذا وقعت، وكأنها رد على قرار “حزب الله” بفتح الجبهة، لا نتيجة لخيار إسرائيلي له حساباته وأهدافه الخاصة.

لا تتعلق المسألة فقط بمنع “حزب الله” من مساندة إيران، بل أيضاً بالواقع الذي تسعى “إسرائيل” إلى تكريسه في الجنوب. فهي تواصل الحديث عن منع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، وتربط ذلك بحرية التحرك العسكري، فيما لا تزال تحتل مواقع وأراضي لبنانية، وتفرض وقائع ميدانية تتجاوز ما يفترض أن يكون عليه الوضع بعد وقف الأعمال العدائية. ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن يشكل استمرار الضغط العسكري مدخلاً لإدامة الاحتلال، وربما توسيع نطاقه، تحت عنوان منع التهديدات الأمنية.

وتكتسب المطالب الإسرائيلية التي نُقلت إلى بيروت عبر الوساطة الأميركية، بشأن إعادة انتشار الجيش اللبناني وإقامة حواجز في مناطق وجود عناصر “حزب الله”، أهمية إضافية في هذا الإطار. فهي لا تعكس فقط رغبة في ضبط الوضع الأمني، بل تكشف عن محاولة لفرض ترتيبات ميدانية وأمنية جديدة، في ظل استمرار التهديد الإسرائيلي باستخدام القوة إذا تعرضت قواته أو مستوطناته لأي هجوم من لبنان.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة التعقيد. فرئيس الحكومة نواف سلام حذّر من جرّ لبنان إلى مغامرة جديدة لا تخدم مصالحه، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة ومؤسساتها. كما تتزايد المخاوف الرسمية من أن يؤدي أي تدخل لـ”حزب الله” إلى منح “إسرائيل” ذريعة لتوسيع عملياتها، في وقت لا يزال لبنان عاجزاً عن التعافي من آثار الحرب السابقة.

أما احتمال دخول “حزب الله” الحرب، فيبقى مفتوحاً على أكثر من تقدير. فهناك أسباب تدفعه إلى تجنب المشاركة، أبرزها حجم الخسائر التي تكبدها، والاختلال في موازين القوة، والدمار الذي أصاب لبنان، فضلاً عن الكلفة السياسية والاجتماعية لأي قرار جديد بالقتال. كما أن بعض التقارير نقلت عن مسؤولين إيرانيين أن طهران لا ترغب في زج الحزب في مواجهة جديدة، وأنها قد تفضّل خوضها بقدراتها الذاتية.

لكن ذلك لا يشكل ضمانة قاطعة. فالمواقف المنقولة عن عدم التدخل لا ترقى إلى تعهد رسمي واضح، كما أن تجربة آذار 2026 أظهرت أن الحسابات قد تتغير في لحظة، وأن قرار الدخول في الحرب يمكن أن يُتخذ ضمن دائرة ضيقة، حتى عندما تكون هناك تقديرات أو تفاهمات سابقة في الاتجاه المعاكس. وقد دخل “حزب الله” المواجهة آنذاك رغم ما سبقها من إشارات إلى عدم رغبته في فتح الجبهة.

وقد يكون العامل الحاسم في هذه المرة هو طبيعة التهديد الذي ستتعرض له إيران. فإذا بقيت المواجهة في إطار الضربات العسكرية المتبادلة، فقد تكون مصلحة طهران في إبقاء الحزب خارجها أكبر. أما إذا تحولت إلى تهديد وجودي للنظام الإيراني، فقد تتبدل الحسابات، وإن كان ذلك لا يجعل تدخله أمراً حتمياً.

لكن اختزال مصير لبنان في قرار “حزب الله” وحده ينطوي على تبسيط خطير للمشهد. فحتى لو امتنع الحزب عن المشاركة، ستبقى “إسرائيل” صاحبة القرار في مواصلة عملياتها، وستظل قادرة على تقديم ذرائع أمنية مختلفة لتبرير اعتداءاتها، مستفيدة من واقع الاحتلال ومن استمرار التوتر على الحدود. وقد يكون أحد أهداف التصعيد الحالي إبقاء لبنان في موقع المتهم المحتمل، بحيث يصبح مطالباً باستمرار بإثبات أنه لا يريد الحرب، فيما لا يُطرح بالقدر نفسه سؤال عن أسباب استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.

وبذلك، لا يقف لبنان أمام احتمال الانجرار إلى حرب إقليمية فحسب، بل أمام خطر أن تتحول تلك الحرب، سواء شارك فيها “حزب الله” أم لم يشارك، إلى فرصة إسرائيلية لإعادة رسم الوقائع في الجنوب.

شريط الأحداث